"حتى لا تسقط اميركا كما سقطت الامبراطورية الرومانية". تحت هذا العنوان اصدر ديفيد ووكر ، المراقب العام للحسابات والنفقات في الولايات المتحدة تقريره عن اوضاع الاتحاد . مشبها بلاده بعامل يحترق فوق منصة عالية ، فلا يجد امامه الا القفز حتى ولو كانت النتيجة اما الموت واما النجاة . تصور هذا الرجل الذي يعتبر بمثابة عين الكونغرس المحايدة على الحكومة ، وارتباط هذا التصور بالامبراطورية الرومانية يعيد الى الذهن القصة الشهيرة التي رواها مؤرخ الامبراطورية الشهير بيلوب ، عن احراق قرطاجة . فقد كوفىء القائد سيبون على انتصاره على هنيبعل بمنحه حق احراق المدينة. قدّر القائد تشريفه بالمهمة ، واصطحب معه مؤرخ الامبراطورية ليسجل الحدث التاريخي . لكن ما ان اندلعت النيران ، حتى افتقد بيلوب القائد الشاب ، واذ بحث عنه وجده يبكي فتعجب وساله عن السبب ، ليسمع الجواب : ابكي على لحظة سيقف فيها قائد مثلي هذه الوقفة امام روما . لكن ووكر لا يكتفي بالبكاء كما سيبون ، لانه مصر على الا تكون نهاية روما الجديدة كنهاية روما القديمة . فهو يبدأ بالتشخيص لينتقل الى وصف العلاج ، منتقلا من التشاؤم الذي يتركه الاول الى التفاؤل الذي يبعثه الثاني . والتشخيص يتلخص بالجمود الذي تعاني منه الوكالات الفدرالية ، في مواجهة التغييرات التي يشهدها العالم اليوم . تغييرات يقول المسؤول الاميركي انها ستكون في السنوات العشرين او الثلاثين القادمة اكبر بكثير من تلك التي حصلت في العشرين الماضية على اهميتها . مما يقتضي عملية تكيف مناسبة ، ليست هي واقع الحال الحاصل اليوم. حال لا يسمح بمواجهة سلسلة التحديات التي حددها بـ: الرعاية الصحية ، التعليم ، الطاقة ، البيئة ، السياسة الخارجية ، الهجرة ، البنية التحتية ، والعراق . وبنظرة فاحصة الى امتدادات هذه التحديات ، وتداعياتها ، نجد انها تنعكس علينا في معظمها ، سواء من حيث التدخلات السياسية ام من حيث تداعيات التمويل والطاقة ، ام من حيث موضوي الهجرة والبيئة ، واخيرا ، وفيما يختصر كل ذلك : العراق . ولذا لا بد لنا من دراسة وتحليل قائمة الاسئلة التي طرحها ووكر وبلغت المئتين وقائمة المقترحات التي يرى فيها ، الحل. من الاصلاحات الداخلية المالية والضرائبية والادارية ، الى تدعيم الشركات متعددة الجنسيات ، الى الاصلاحات الاجتماعية ، الى السياسة الخارجية ، فيما يصفه بـ"مراجعة شاملة للبرامج والسياسات والعمليات الفدرالية". وكمدخل لفهم الخلفية الكامنة وراء هذا التصور للحل لا بد من قراءة تقييم ووكر للاسباب التي ادت الى انهيار الامبراطورية الرومانية القديمة حيث يحددها بـ"تردي المثل والقيم الأخلاقية وتقهقر الحقوق المدنية السياسية في الوطن ، ونشوء قوة عسكرية مغرورة إلى حد الغطرسة وتوسعها المفرط وتدخلها في بلدان أجنبية ، ومسؤولية الحكومة المركزية المالية." قراءة تحيل الى قوله بانه سئم من ترداد رأيه بشأن كل ذلك خاصة موضوع العراق. قراءة تتطلب منها اعادتها مرات : مرة لنتعلم من الاخرين كيف يعملون للحفاظ على بقائهم ، ومرة لنعرف فيها مكامن ضعف ومكامن قوة دولة تعادينا في اكثر من موقع ، ومرة لنستكشف ملامح سياسات القوة العظمى المقبلة وتاثيراتها علينا ، ومرة لنضع هذا الوضع الاميركي حاضرا ومستقبلا في اطار التطورات الحاصلة على الساحة الدولية خاصة في اوروبا واسيا التي شهدت قبل ايام نقلة كبرى عبر منظمة تشنغهاي ، باختصار قراءة الدارس المتفحص البعيدة الافراط في التفاؤل او الافراط في التشاؤم وذاك ما لا يتحقق الا اذا خرجنا من دائرة المضبوعين برائحة الضبع الاميركي ، والذين ينقسمون بين يتبنى سياسة لا حول ولا ويزحف غير شاعر بألم ركبتيه ، وبين من يكتفي بالصلاة كي تنهار القوة الاميركية من تلقاء نفسها . ناسيا ان الطبيعة لا تتحمل الفراغ ، وان قوة اخرى ستحل محل اميركا ان لم تكن لدينا نحن القوة الجاهزة لذلك.

مصادر
الدستور (الأردن)