من يتابع تسلسل المواقف والتصريحات الاسرائيلية والسورية من موضوع الحرب لا بد ان يستوقفه التغير الملحوظ الذي طرأ عليها خلال العام المنصرم. ففي الوقت الذي تنحو فيه التصريحات الرسمية الاسرائيلية نحو تهدئة المخاوف السورية من امكانات نشوب حرب جديدة هذا الصيف وتحذر من "خطأ في الحسابات" السورية قد يؤدي الى اشعال فتيل الحرب من جديد؛ ترجح معظم التصريحات السورية احتمال قيام اسرائيل بمهاجمة سوريا وتأخذ جدياً امكان نشوب حرب جديدة في وقت غير بعيد. والحق ان التحذيرات السورية من احتمال نشوب مواجهة عسكرية جديدة مع اسرائيل عادة ما تترافق مع دعوة سورية الى معاودة المفاوضات السياسية المتوقفة والتذكير بأن سوريا لن تتوانى عن استرجاع هضبة الجولان اما من طريق التفاوض وإما من طريق المقاومة. في المقابل يلاحظ بوضوح ان الجانب الاسرائيلي رغم كل الرسائل المطمئنة التي بعث بها الى سوريا لتبديد مخاوفها من تعرضها لهجوم عسكري من جانبها لم يُقدم حتى الساعة على فتح المجال امام عودة التفاوض بين البلدين لا سيما بعد الشروط التي وضعها رئيس الحكومة الاسرائيلية لبدء هذه المفاوضات وعلى رأسها وقف الدعم ل"حزب الله" و"حماس" والتخلي عن تحالفها الاستراتيجي مع ايران. ورغم التضارب في التقديرات الاسرائيلية للنيات السورية بين من يفسر التسلح الصاروخي السوري بالدفاعي وتالياً بأن سوريا لا تخطط للحرب على اسرائيل، ومن يذهب عكس ذلك ويرى ان سوريا تتجه فعلاً نحو مواجهة عسكرية مع اسرائيل قد تتخذ شكلاً جديداً غير المواجهة العسكرية التقليدية التي خبرها جيشا البلدين في الحروب الماضية، فلا تتخذ المعارك طابعاً جبهوياً وانما طابع الحرب الصاروخية التي ستشكل المدن الكبرى في اسرائيل ساحتها الاساسية؛ فإسرائيل بدأت تعد نفسها لمواجهة حرب موجهة ضد جبهتها الداخلية التي أثبتت حرب تموز العام الماضي مدى هشاشتها وانكشافها امام الهجمات الصاروخية المتوسطة والقصيرة المدى التي قام بها "حزب الله"، الى جانب أمر اساسي هو عدم امتلاك الجيش الاسرائيلي حتى اليوم الرد الملائم على هذه الهجمات الصاروخية والمقصود هنا شبكة صواريخ اعتراضية قادرة على رد هذه الصواريخ واعتراضها ومنعها من الوصول الى أهدافها. وهذا أمر لا تخفيه القيادة العسكرية ولا وزير الدفاع الحالي الذي يخوض حرباً قاسية داخل الحكومة من اجل اقرار موازنة الدفاع والبدء بتطوير شبكة الصواريخ الاعتراضية المطلوبة. والظاهر حتى الآن ان اسرائيل لم تنجز استعدادتها للمواجهة العسكرية المقبلة بعد ان انهت استخلاص دروس حرب تموز ودرست بإمعان اخفاقاتها، كما ان رئيس اركان الجيش الاسرائيلي الجديد غابي أشكينازي لم ينه بعد التغيرات الكثيرة التي هو بصدد القيام بها داخل أسلحة الجيش وفرقه وألويته وحتى في ما يتعلق بعقيدته القتالية. باختصار يمكن القول رغم كل تركيز سوريا على اعداد اسرائيل لهجوم قريب ضدها ان المعطيات المتوافرة تشير الى عكس ذلك. فالحكومة الاسرائيلية الحالية اضعف بكثير من التورط في اتخاذ قرار متسرع آخر بخوض الحرب حتى لو تعرض جنودها الى "استفزاز" واضح من جانب اي طرف من الأطرف ("حماس" في غزة او "حزب الله" في لبنان، وحتى اي حادث على الحدود الاسرائيلية - السورية الهادئة منذ حرب 1973). فالدرس الاساس الذي تعلمته الحكومة الاسرائيلية الحالية ضرورة عدم خوض الحرب قبل الاعداد لها اعداداً محكماً، وأهمية تحديد أهداف عسكرية واضحة لها. بيد ان الراهن اليوم هو ان ما أسفرت عنه حرب تموز الصيف الماضي أدى الى تضخيم كبير لمواطن الضعف الاسرائيلية والخلل في أدائها العسكري الأمر الذي لا يمكن ان يفسر الا بعلامات ضعف وتراجع في القدرة على الردع. لذا قد يبدو الظرف الحالي مع حالة انعدام اليقين وعدم الاستقرار التي تسود المنطقة بأسرها نتيجة ما أسفرت عنه السياسة الأميركية الفاشلة في العراق مناسباً لعمل عسكري ما في المنطقة قد تُستدرج اليه اسرائيل ويكون ردها عليه ذريعة لشن هجوم صاروخي كثيف ومنسق بين الترسانة الصاروخية الجديدة التي تملكها سوريا وترسانة "حزب الله" بدعم عسكري عن بعد من ايران يستطيع ان يغير الكثير من المعادلات وتوازنات القوى التي كانت حتى الآن لمصلحة اسرائيل ضد الدول العربية. وهذه قد تكون المفاجأة التي ألمح اليها اكثر من مسؤول سوري ومن "حزب الله" في الآونة الأخيرة. من الآن فصاعداً كل عمل عسكري ضد "حزب الله" في لبنان سيشكل الذريعة لنشوب الحرب الاسرائيلية – العربية الرابعة التي ستكون مختلفة عما سبقها.

مصادر
النهار (لبنان)