لم تكن الخارطة السياسية على هذه الدرجة من الاختلاط، فرغم أن العلاقات السورية – العراقية تشهد اليوم سابقة مع زيارة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي إلى دمشق، لكنها شهدت سابقة أخرى قبل أيام بتدهور العلاقات بين دمشق والرياض، وهذه التطورات التي لا يمكن فصلها عن ترتيبات عقد "مؤتمر سلام" لكنها في نفس الوقت تتجاوز أجندة الأحداث لأنها أدخلت المنطقة ضمن احتمالات مفتوحة.

عمليا فإن "المالكي" ووفق أغلب المصادر لن يغير الكثير في الخارطة السياسية أو في طبيعة الشد والجذب التي تربط دمشق ببغداد في زمن الاحتلال، لكنها في المقابل تدفع بكافة الملفات بين البلدين إلى سطح، فهذه الزيارة لا تشكل "هندسة" للعلاقات بقدر كونها ترتيب لـ"الأولويات" بين البلدين، فإذا كانت المصادر السياسية تحدثت عن "ملف "اللاجئين" العراقيين"، إلا أن هذه الموضوع لا ينفصل عن المسائل السياسية، فالاجئون العراقيون ليسوا طرفا محايدا في الأزمة، وهخم ينتمون لمختلف الشرائح العراقية، مما يعني أن سورية التي استضافتهم بحكم الجغرافية بين البلدين أصبحت في عمق الأزمة العراقية ومفاصلها، وذلك بغض النظر عن الأدوار التي يجهد المحللون في تفنيدها، سواء الدور الإيراني أو السعودي.

وحتى يمكن وضع زيارة المالكي في موقعها، ومعرفة طبيعة الخلاف السوري – السعودي فربما علينا ملاحظة أمرين:

- الأول أن سورية في تعاملها مع العراق فإنها تنظر غربا باتجاه لبنا والجولان بالدرجة الأولى، وهي تعرف عن الضغوط الأمريكية من البوابة العراقية كانت منذ البداية لاستهداف دورها الإقليمي في لبنان ومسألة "التسوية"، لذلك فإن زيارة المالكي وإن كانت لا تحمل انفراجا لكنها في نفس توحي بأن "الضغوط" متبادلة، فالبوابة السورية على العراق ليست مجالا لتسلل "الإرهابيين" حسب الادعاءات العراقية، ولكنها أيضا المساحة المتبقية لمعظم الشرائح العراقية المقيمة اليوم في سورية.

- الثاني أن مسألة "الحصار" ضد سورية عربيا على الأقل هو نسبي، فمن يدرج الخلاف السوري – السعودي في هذا الإطار عليه التذكر أيضا بأن كل التوازنات السياسية اليوم مرهونة بالوضع العراقي، وبالتالي فإن تشابك المسائل يمنع تجاوز دولة والاعتماد على دولة أخرى.

قبل الخلاف السوري – السعودي فإن الرياض لم تحضر مؤتمر دول الجوار المنعقد في دمشق، ومهما كانت المؤشرات بهذا الخصوص لكنها في النهاية تؤكد على أن التوازن الإقليمي الجديد ربما يكون أبعد من التصريحات المتبادلة ما بين دمشق والرياض، وهو لا ينتظر فقط الحل العراقي، بل أيضا طبيعة الاستراتيجية الأمريكية التي بات واضحا أنها تحاول تأسيس المحاور على قاعدتها فقط، ووفق آلية "الحرب السياسية".