منذ عام (1901) و«منظمة الوكالة اليهودية» تتولى وحدها البحث عن اليهود في أنحاء العالم وإعدادهم «للهجرة» إلى فلسطين. ومنذ الإعلان عن تأسيس دولة إسرائيل أصبحت «الوكالة» بمنزلة حكومة ذات ميزانية ضخمة وأجهزة متنوعة سياسية، ومخابراتية ومالية تهتم بتحقيق مهمة واحدة هي تهجير أكبر عدد من اليهود إلى إسرائيل. وفي التسعينيات قامت «الوكالة» بكامل فروعها وأجهزتها وأرصدتها المالية بنقل معظم نشاطها إلى دول الاتحاد السوفييتي التي بدأت تنهار واحدة تلو الأخرى بانهياره في بداية عام (1991) ونجحت بتهجير (900) ألف من يهود تلك الدول ومن الروس غير اليهود أيضاً. وبعد اتفاقات أوسلو عام (1993) وتصعيد المقاومة المسلحة داخل أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة بدأت الوكالة بالاعتراف بعدم مقدرتها على إيجاد مهاجرين جدد إلا بأعداد قليلة بسبب الانتفاضة الفلسطينية والتحولات الليبرالية التي طرأت على العالم ودفعت الكثير من اليهود إلى تفضيل البقاء في الدول التي يعيشون فيها على دولة إسرائيل وما يحيط بها من أزمات ونزاعات. وحين تحوّلت هذه «الوكالة» إلى عبء غير مجدٍ للمشروع الصهيوني في إسرائيل بدأ عدد من المسؤولين الإسرائيليين بطرح مستقبل هذه الوكالة ودورها على الحكومة وتزايدت الدعوات المطالبة بتخفيض ميزانيتها بعد أن أفل نجمها وأصبحت عاجزة عن القيام بنشاطها المطلوب. لكن حكومة أولمرت وجدت حلاً آخر لهذا العجز عن إيجاد المهاجرين الجدد إلى إسرائيل التي تتزايد فيها مظاهر القلق من تناقص الإسرائيليين وتزايد العرب الفلسطينيين بسبب التكاثر الطبيعي داخل مدنهم وقراهم في إسرائيل. فقد كشفت صحيفة هآريتس أمس أن الحكومة الإسرائيلية من المقرر أن توافق على تقديم دعم مالي لشركات ومنظمات يهودية مستقلة في الخارج ممن تتولى تهجير اليهود إلى إسرائيل واختارت الحكومة منظمتين من هذا النوع وسوف تمنحهما صلاحية واسعة في إقناع اليهود بالهجرة مقابل مبالغ من المال تغطي النشاطات والنفقات. وكان على الحكومة في جلستها أمس اتخاذ قرار بتحويل مبالغ مالية لمنظمتين تشبهان الشركات التي تتولى الوساطة في العمل الاجتماعي والتعاقد معهما على هذه المهمة. وعلى الرغم من الغضب الذي أعرب عنه المسؤولون في الوكالة اليهودية من هذه المنافسة إلا أن حكومة أولمرت تجاوزت جميع المضاعفات لأنها رأت في توقف أو انخفاض هجرة اليهود إلى إسرائيل كارثة على مصير ومستقبل «يهودية» الدولة الإسرائيلية. أما المنظمتان اللتان ستوقع الحكومة العقد معهما قريباً فهما منظمة «نفسٌ بنفسٍ» ومنظمة (عامي) وسوف تقدم الحكومة لهما (19) مليون شاقل (5) ملايين دولار في عام 2008 كدفعة أولى مقابل إحضارهما ما يمكن من اليهود المهاجرين الجدد.. ورغم العدد المحدود الذي تمكنت منظمة «نفس بنفس» من إحضاره من اليهود الأميركيين والبريطانيين وهو (12) ألفاً خلال خمس سنوات إلا أن حكومة أولمرت اعتبرت ذلك إنجازاً أمام الانحسار الكبير للهجرة إلى إسرائيل. ويذكر أن معظم هؤلاء المهاجرين الذين أحضرتهم هذه المنظمة من المسنين الذين يبحثون عن ضمان اجتماعي وصحي في إسرائيل إضافة إلى الضمان الصحي الذي حصلوا عليه في الولايات المتحدة وبريطانيا وهم ممن يبحثون عن «قبرٍ» مجاني بصفتهم يهوداً في إسرائيل. وتقول صحيفة هآريتس: إن هذا العدد يشكل 90% من عدد اليهود الذين جاؤوا خلال السنوات الخمس من هاتين الدولتين؟ ويذكر أن وزارة الاستيعاب تشكل هي الأخرى إلى جانب الوكالة اليهودية هيئة خاصة تقوم بمهمة تهجير اليهود إلى إسرائيل وتخصص لها الحكومة ميزانية لا تقل عن ميزانية بقية الوزارات سنوياً لتحقيق هذا الهدف. وكشفت «هآريتس» أن وزير الاستيعاب تعهد أمام الحكومة بتحقيق زيادة في عدد المهاجرين اليهود من دول الغرب، وخصوصاً من فرنسا التي ستتولى منظمة «عامي» العمل الأساسي داخلها. ومن جانب آخر تتجه حكومة أولمرت الآن نحو السماح بتهويد 300 ألف من المهاجرين غير اليهود الذين جاؤوا من دول الاتحاد السوفييتي ومازالوا يقيمون في إسرائيل منذ بداية التسعينيات. وكانت المؤسسة الدينية اليهودية العليا «الحاخامية الكبرى» في إسرائيل قد رفضت وما تزال ترفض حتى الآن تهويد هؤلاء الروس لأن ذلك مخالف للشريعة اليهودية وتعاليم الحاخامين «الأورثوذوكس» الذين يتولون شؤون الدين اليهودي من قبل الحكومة ويصدرون الأحكام حول من هو يهودي ومن هو غير يهودي في إسرائيل. وكان عدد من المسؤولين في الحكومة قد اشتكوا من الإجراءات الحاخامية التي تحظر إعطاء صفة «اليهودي» لمن هو «غير يهودي» أو لا تنطبق عليه إمكانية التهويد، ومن المعروف أن اليهودية لا تكتسب إلا إذا ولد المرء لأم يهودية وبعد أن يقوم الحاخامون بإعداده كيهودي أرثوذوكسي إذا كان لم يتعرف على اليهودية في موطنه السابق. فالحكومة تريد أن تسجل في سجلاتها الإحصائية أكبر عدد من الأفراد الذين يحملون هذه الصفة لكي تعمل على المحافظة على نسبة اليهود الكبرى في إسرائيل دون النظر إلى رأي الحاخامين أو شريعتهم. وتعترف الإحصاءات الإسرائيلية بوجود ما يزيد على 500 ألف من الإسرائيليين الذين يخضعون للخدمة في الجيش وهم من غير المصنفين كيهود في إسرائيل وكانوا قد جاؤوا من دول الاتحاد السوفييتي السابقة ومن دول أخرى مثل الهند وبعض دول آسيا. ومثلما تقوم الولايات المتحدة الآن بإعطاء الجنسية الأميركية لكل من يخدم في الجيش الأميركي وينتقل إلى العراق كانت إسرائيل من أوائل الدول التي أقرت قانوناً كهذا لآلاف من غير اليهود يخدمون في الجيش الإسرائيلي. ويبدو من الواضح أن إسرائيل تحمل أزمتها في داخلها وتحمل بذور ضعفها من أكثر من اتجاه ولأكثر من سبب وتواجه الفشل في إزالة مظاهر هذه الأزمة.