يستحق المجازفة، هكذا علقت الصحافة الفرنسية على ما اسمته بالرهان العراقي ، او بالاحرى : العودة الى العراق. اجل فباريس التي كانت ومنذ السبعينات وحتى الاحتلال ، من اكثر الدول حضورا في العراق ، قد غابت عنه منذ عام 2003 ، وها هي تحاول استهلال العودة بزيارة برنار كوشنير المفاجئة الى بغداد. وبملاحظة هذا الحضور او الغياب الفرنسي نجده ينقسم الى ثلاث مراحل: مرحلة الاستقلالية عن الولايات المتحدة وبناء علاقات موازية لعلاقاتها ولعلاقات الاتحاد السوفييتي مع المنطقة وخاصة مع حكم عراقي يعمل على تأكيد التواجد في الخط الاول للعالم العربي ، وعلى ان يحقق مشروعا ما على صعيد قيادة توحيدية لهذا الفضاء . ثانيا مرحلة الارتماء في ذيل التنورة الاميركية عبر المشاركة في حرب 1991 ضد العراق ، واخيرا مرحلة الاعتراض والانكفاء التي تمثلت برفض الحرب والاحتلال عام 2003. من هنا لا بد من وضع زيارة كوشنير ضمن سياق العلاقة الفرنسية - الاميركية في المرحلة الحالية ، ولا بد ايضا من تقييم هذه المراحل الثلاث بالمقارنة مع المرحلة الحالية ، سواء بالنسبة لفرنسا ، ام بالنسبة لنا نحن العرب عموما ، والعراقيين خصوصا. في البند الاول نجد ان التوجه الفرنسي الجديد لا ينفصل اطلاقا عن الفصل الجديد في العلاقات الفرنسية - الاميركية مع نيقولا ساركوزي . والذي يتأرجح بين الامركة الكاملة ، ومحاولة حفظ مسافة ما من التمايز تبعد تهمة التبعية ، وتسهل بالتالي عمل الديبلوماسية الفرنسية ، حتى عندما يكون لخدمة واشنطن .وليس اختيار كوشنير لهذه المهمة الا دلالة كبرى على ذلك ، فوزير الخارجية الحالي هو المسؤول البارز في الحكومة الاشتراكية التي شاركت في حرب 1991 وراء الولايات المتحدة (ومعروف ان المفارقة الكبيرة في فرنسا هي ان الاشتراكيين كانوا دوما الاكثر قربا من اميركا واسرائيل ، والديغوليين كانوا دعاة الاستقلالية) ، وكوشنير هو ايضا واحد من السياسيين الفرنسيين القلة الذين لم يدينوا حرب 2003 والاحتلال ، وهو اخيرا صاحب نظرية ومشروع التدخل الانساني ، الذي طالما اسيل الحبر الكثير في تحليل استعماله غطاء للتدخل المخابراتي والسياسي ، وللمشاريع التقسيمية كما حصل في كوسوفو ، على سبيل المثال. لذا فانه خير من يكلف بمهمة العودة في ظل التواجد الاميركي ، وهي عودة لا تحصل هنا لمنافسة الاحتلال الاميركي ، او لدعم مقاومته وانما لمساعدته على الخروج من الرمال المتحركة التي غرق فيها. وهنا بيت القصيد بالنسبة لنا وللمقاومة العراقية . حيث ستكون هذه الزيارة بداية تحرك في اتجاه تدخل سياسي قد يتمثل في سحب المكونات السياسية للساحة العراقية ، وبالتالي فصائل المقاومة الى واحد من اثنين : اما اللقاء في مشروع سياسي بتصور اميركي ، واما الشقاق والفرقة مقدمة للاستفراد والاضعاف. غير ان كوشنير لن يكون مجرد رسول للاميركيين ، اذ لا بد من ان تعاود حكومته احلام الفوائد التي جنتها المصالح الفرنسية ، من ايام العسل مع بغداد . كما لا بد من ان يكون واعيا لكون تحقق احلام فرنسا بعودة قوية الى ساحة الشرق الاوسط ، لا يمكن ان تتحقق بدون العراق ، او على الاقل بدون دور في العراق ، مع ما يعنيه ذلك من صلة بايران (وبالتالي بسوريا ولبنان). وهنا قد يكون من المفيد للوزير ولحكومته ان يعاودوا قراءة المراحل الثلاث المذكورة اعلاه . حيث لم تجن فرنسا من التحاقها بالحرب الاميركية عام 1991 الا خسارة كل مكاسبها ومصالحها وشعبيتها عراقيا وعربيا. وفي حين كانت احدى الحجج القوية لحكومة ميتران ان المشاركة في الحرب تضمن مقعدا على طاولة المفاوضات ، تبين ان المقعد الحقيقي اقتصر على الولايات المتحدة وجاء الاخرون كلهم كاشباح اوكشهاد زور . ولم يكن الاستئثار الاميركي مقتصرا على المفاوضات . هذا في حين ان التمايز الذي التزمته حكومة جاك شيراك عام 2003 امن لها مكاسب عدة قد لا يكون اقلها اهمية ، على المستوى الداخلي ، حماية السلام الاجتماعي الفرنسي من امواج الكراهية التي حذر منها جان بيير شفينمان عام 1991. كما لا يكون اقلها خارجيا الموقع الذي احتلته فرنسا في العالم العربي وفي العالم الثالث عموما ، وخير دليل عليه الاستقبال الذي لقيه شيراك في الجزائر بعد الحرب (وكان الجزائريون قد محوا بموقفه ذاك ذنب الحرب الجزائرية) ، او الهبة الشعبية الشاملة المتضامنة مع فرنسا في مسالة الرهينتين ، والتي لم تحصل مع اي رهينة من اية جنسية اخرى. رسائل غير مكتوبة ، لا بد لبرنار كوشنير ان يتمعن فيها جيدا قبل ان يعود مرة ثانية الى عاصمة العباسيين.

مصادر
الدستور (الأردن)