بسبب الإحباط المتزايد في صفوف الأميركيين من الحرب في العراق، بات التجرؤ وانتقاد إسرائيل اكثر سهولة. وثمة من يعتقد أن كتاب الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر وإخفاق إسرائيل في تحقيق الانجازات في حرب لبنان الثانية زادت إمكانية الحديث عن إسرائيل. ولكن إلى جانب ذلك هناك التغير الملحوظ، وإن كان لا يزال طفيفا، في موقف الرأي العام الأميركي من إسرائيل ومكانتها في المنطقة. ونشرت صحيفة «معاريف» تقريرا عن كتاب «اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأميركية» الذي كتبه البروفسوران ستيفن فولت وجون ميرشهايمر من جامعة شيكاغو. وأثار الكتاب ضجة كبيرة حتى قبل أن يصل إلى رفوف المكتبات، حيث يتعرض لحملة قوية من جانب المنظمات اليهودية الأميركية. ومن المقرر أن يبدأ بيع الكتاب في الرابع من الشهر المقبل. ويشير الكاتبان، وهما بين أكثر المختصين شهرة واحتراما، إلى أن اللوبي اليهودي الذي يضم أيضا جماعة «إيباك» يؤثر بشكل حاسم على السياسة الأميركية وخصوصا في الشرق الأوسط، وأن هذا التأثير يلحق الضرر ليس فقط بالولايات المتحدة وإنما كذلك بمصالح إسرائيل. ويقول فولت إنه «بسبب انتهاء الحرب الباردة، باتت إسرائيل عبئا يثقل كاهل الولايات المتحدة من الناحية الاستراتيجية. ومع ذلك ليس هناك سياسي طموح يجرؤ على الإقرار بذلك علنا أو حتى إثارة مثل هذا الاحتمال». ويعزو سبب ذلك إلى القوة الكبيرة التي يملكها اللوبي المناصر لإسرائيل في الولايات المتحدة. ويقول الباحثان في الكتاب أن «لب ألباب اللوبي يتكون من يهود أميركيين يبذلون جهودا جبارة في كل يوم لإخضاع السياسة الخارجية الأميركية، لخدمة المصالح الإسرائيلية» أو أن «يهودا أميركيين أقاموا شبكة مذهلة من المنظمات للتأثير على السياسة الخارجية الأميركية، والتي تعتبر إيباك الأقوى والأشهر بينها... فالكثير من المنظمات في اللوبي من أجل إسرائيل، مثل إيباك ومؤتمر الرؤساء، تدار على أيدي أناس ينادون بمقاربة متصلبة وفي الغالب يؤيدون السياسة التوسعية التي يقودها الليكود». ومع ذلك يرى الكاتبان أن جماعات الضغط هي جزء من النظام الديموقراطي الأميركي، غير أن وضعها يستحق نقاشا عاما حول مدى خدمة اللوبي الإسرائيلي أو ضرره على الولايات المتحدة. ويأتي الكاتبان بأمثلة تشير إلى أنه بسبب مواقف «إيباك» منعت الولايات المتحدة إسرائيل من التفاوض مع سـوريا ومع جماعات معتدلة في إيران. كما أن «إيباك» هي التي أثرت على السياسة الخارجية الأميركية التي أيدت إسرائيل في حربها على لبـنان ولم تسـمح بوقـف الحرب باكراً. ويستند الكتاب في معظمه على مقال طويل نشره الكاتبان في مجلة «لندن ريفيو أوف بوكس» في آذار .2006 وكان المقال هذا قد أشعل سجالا أكاديميا وإعلاميا حول الحجج الواردة فيه. وتم اتهام الرجلين بأنهما عدوين لإسرائيل ومعاديين للسامية، وأنهما يرفضان حق إسرائيل في الوجود وأنهما باحثان غير جديران وأفكارهما سطحية. وقد تم تحديث المقالة بحيث تغطي أحداث العام والنصف الأخير، بما في ذلك حرب لبنان الثانية والعلاقات الأميركية الإيرانية. وتعرض الكتاب قبل صدوره لانتقادات حادة وخصوصا من جانب مسؤولين أميركيين سابقين وباحثين أكاديميين. وبالمقابل فإن آخرين انبروا للدفاع عن الكتاب وأطروحاته. ومع ذلك يبدو أن اللوبي اليهودي أفلح هذه المرة أكثر من السابق في تقييد حركة وحضور الكاتبين في المحافل الأكاديمية وفي وسائل الإعلام. وقد أشارت «معاريف» إلى أنهما لا يفلحان في عقد اجتماعات وندوات أكاديمية لمناقشة أطروحات الكتاب خلافا لما كانا قد نجحا فيه في أعقاب نشر مقالتهما الأصلية. وقد نشرت «نيويورك تايمز» أن الكثير من المؤسسات الأكاديمية خافت من استضافة نقاشات حول الكتاب وزعمت أن الموضوع مشحون وموضع خلاف. ولهذا السبب تم إلغاء الكثير من اللقاءات التي كانت مقررة مع البروفيسورين، الأمر الذي أكد حجتهم الأساسية بأنه لا يتوفر جو في أميركا يسمح بمناقشة مثل هذه القضية بسبب قوة اللوبي اليهودي. ومن بين الجهات التي ألغت اللقاءات مع البروفيسورين مجلس شيكاغو للشؤون العالمية، والذي يعتبر من أهم المؤسسات البحثية الأميركية. وقد تلقى البروفيسور ميرشهايمر مكالمة من إدارة المجلس أوضحت له أن الإلغاء تم من أجل «حماية المجلس» لأنه إذا سمح لهما بالحضور فإن هذا سيغضب عددا كبيرا من الناس. وأشارت إدارة المجلس إلى أن هذا موضوع «ساخن جدا، لدرجة لا يمكن الحديث عن الأمر في المجلس من دون إحضار أحد من الطرف الثاني مثل إيف فوكسمان من الرابطة ضد التشهير». وقد أرسل البروفيسور ميرشهايمر رسالة مطولة إلى إدارة مجلس شيكاغو عرض فيها حججه، التي اعتبر فيها أنّ «ثمة من يدعون أن آراءنا مثيرة جدا للخلاف، بحيث لا يمكن أن تعرض بشكل منفرد. غير أن هذه الآراء تبدو مثيرة للخلاف فقط بسبب أن جزء من الجماعات والأفراد الذين ننتقدهم في مقالتنا الأصلية، وصفوا بطريقة مشوهة أقوالنا وهاجمونا ووجهوا لنا اتهامات شخصية باطلة، مثل الزعم بأننا لا ساميون. إن هدف الحملة ضدنا، هو ردع المؤسسات المحترمة مثل مجلس شيكاغو عن السماح لنا بالحديث أمام الجمهور». وشدد ميرشهايمر على أن «مواقفنا ليست متطرفة. وكتابنا لا يثير شكوكا حول حق إسرائيل في الوجود كما أنه لا يعرض الجماعات المناصرة لإسرائيل وكأنها متآمرة «للسيطرة» على السياسة الخارجية الأميركية. إن الكتاب يصفهم فقط كجماعة ذات مصالح تعمل بشكل فعال جدا. ونحن نزعم أن أثر اللوبي من أجل إسرائيل قاد إلى تخطيط سياسات تتناقض مع المصالح القومية الأميركية. كما أننا نزعم أن هذه السياسة، بشكل غير مقصود، تلحق الضرر أيضا بإسرائيل وأن على الدولتين انتهاج أساليب عمل أخرى». عموما بدأ الهجوم المضاد من جانب اللوبي اليهودي. ففي الرابع من أيلول أيضا سيصدر كتاب رئيس الرابطة ضد التشهير إيف فوكسمان بعنوان «أكاذيب فتاكة: اللوبي الإسرائيلي وأسطورة السيطرة اليهودية». ومن الواضح أن هذا الكتاب هو لائحة الدفاع اليهودية ضد لائحة الاتهام التي يمثلها كتاب البروفيسورين. تجدر الإشارة إلى أن استطلاعا نشرته مجلة «السياسة الخارجية» الأميركية أظهر أن 14 في المئة فقط من الخبراء الأميركيين في هذا الشأن اعتبروا أن إسرائيل حليفا تخدم العلاقة معه مصالح الأمن القومي الأميركية.

مصادر
السفير (لبنان)