إجلاء عائلات مسلحي «فتح الإسلام» يمهّد لحسم معركة «البارد»

بعض زوجات واطفال مسلحي «فتح الاسلام» لدى اخراجهم من مخيم نهر البارد امس. (مديرية التوجيه في الجيش اللبناني) طغى التطور الذي طرأ على معارك مخيم نهر البارد بين الجيش اللبناني ومسلحي «فتح الإسلام» بنجاح هدنة إخراج مَن بقي من نساء (22) وأطفال (41) مقاتلي التنظيم وأقاربهم، في المخيم على دوي السجال العنيف بين نواب رئيس البرلمان نبيه بري ونواب رئيس «اللقاء النيابي الديموقراطي» وليد جنبلاط أمس. في الوقت ذاته واصل الموفد الفرنسي جان كلود كوسران جولاته على القيادات السياسية اللبنانية لاستطلاع مواقفها قبل زيارة وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير بيروت، في محاولة لدفع اللبنانيين الى التوافق على إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها منعاً لحصول الفراغ.

وتجددت الاشتباكات في المخيم بعد الظهر إثر إجلاء النساء والأطفال من «البارد»، والذي جاء بعدما كان الجيش أحرز تقدماً جديداً داخل المخيم ليسيطر على مواقع جديدة، منذ الخميس وصباح أمس. وإذ قدِر عدد المسلحين الباقين في المخيم بحوالى 60 مقاتلاً بينهم 20 جريحاً، فإن التوقعات أشارت، فور إنجاز عملية إخراج النساء والأطفال، الى ان الاشتباكات ستعنف نظراً الى ان الجيش كان يأخذ في الاعتبار في عملياته العسكرية وجود مدنيين، والى أن مقاتلي «فتح الإسلام» سيبدون شراسة في القتال بعد إخراج عائلاتهم، وأن معظمهم يرفض الاستسلام وفق ما يطلبه الجيش اللبناني ويفضل القتال الانتحاري.

وأجلي المدنيون الباقون في المخيم بعيداً من عيون رجال الإعلام، وفق شروط مسلحي «فتح الإسلام»، وأحاط الجيش العملية بتدابير مشددة ولم يرَ الصحافيون والمصورون سوى آليات للجيش تنقل نساءً منقبات وأطفالاً، قيل أنها اتجهت بهم الى إحدى ثكنه في مدينة طرابلس، حيث تولت مديرية المخابرات في الجيش فرز أسماء الخارجات والخارجين تمهيداً لأخذ إفادات النساء اللواتي تردد أنهن مقاتلات. وأفاد بعض المعلومات انه تأكد ان زوجة قائد التنظيم شاكر العبسي وابنته (17 سنة) وزوجة نائبه «أبو هريرة» الذي قتل قبل 3 أسابيع، بين النساء اللواتي خرجن امس اضافة الى زوجة عمر الحجي وهو متهم بحادث تفجير عين علق في شباط (فبراير) الماضي وقتل في اول يوم من الاشتباكات في الشمال وزوجة أبو مدين وهو سوري الجنسية ومتهم أيضاً بتفجير عين علق وقتل في الاشتباكات، ويجري التأكد من هوية زوجة المسؤول العسكري شاهين شاهين الذي كانت معلومات أمنية أفادت «الحياة» انه قتل في اشتباكات الأيام الأخيرة.

وجاء ترتيب خروج النساء من المخيم بعد نجاح التواصل بين الناطق باسم التنظيم «أبو سليم طه» وبين عضو رابطة علماء فلسطين الشيخ محمد الحاج، الذي نسق إجراءات نقل النساء والأطفال منذ ليل أول من أمس مع الجيش فتم تنفيذ العملية في سرعة الرابعة بعد ظهر أمس، إثر وقف النار في الساعة الثالثة. وفيما تردد أن بعض النساء والأطفال نقلوا الى مستشفيات تولت مجندات في الجيش تفتيش النسوة واتخذ الجيش احتياطات إزاء احتمال وجود متفجرات في حوزة بعضهن.

وصدر عن قيادة الجيش بيان أشار الى انه تم بعد ظهر أمس عملية «إخراج عائلات مسلحي تنظيم «فتح الإسلام» من مخيم نهر البارد، والبالغ عددهم 63 فرداً، بينهم 25 امرأة و38 طفلاً، حيث أجريت لهم كل الفحوص الطبية من قبل مفرزة عائدة للصليب الأحمر اللبناني، ونقل طفلان الى المستشفى بسبب وضعهما الصحي. كما اتخذت وحدات الجيش التدابير الأمنية المناسبة للحفاظ على سلامتهم، والاجراءات اللازمة لمتابعة أوضاعهم المختلفة».

وأضاف البيان: «تكرر قيادة الجيش دعوتها المسلحين، خصوصاً الجرحى منهم، بوجوب تسليم أنفسهم في أسرع وقت ممكن، متعهدة لهم معاملة إنسانية لائقة ومحاكمة عادلة أمام القضاء».

وعلّق ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان عباس زكي على إخراج المدنيين قائلاً: «نحن سعداء لإنهاء أزمة الأبرياء من النسوة والأولاد والأطفال، ونأمل بأن يتبع المسلحون خطوة إخراج عائلاتهم بتسليم أنفسهم الى الجيش اللبناني لتنتهي المأساة التي سببوها للآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني، ولتبدأ عملية إيواء النازحين قبل فصل الشتاء والشروع في إزالة الركام وبدء إعادة البناء والإعمار. ونطالب المسلحين بعد تسليم انفسهم بأن يكشفوا للسلطات المختصة الأماكن التي زرعوا فيها الأفخاخ والألغام لتلافي مجازر بحق المدنيين، وأيضاً بحق العسكريين اللبنانيين الذين سقط منهم شهداء وجرحى».

وعلى صعيد الوضع الداخلي في لبنان، وعلى رغم اتجاه فريقي السجال العنيف، أي بري وجنبلاط، الى تهدئة التراشق الكلامي الذي تصاعد أول من أمس وإعطاء بري تعليمات لنواب كتلته بعدم الاسترسال إلا إذا صدرت تصريحات جديدة من نواب كتلة جنبلاط، فإن السجال اتسع أمس ودخلت عليه قوى أخرى سياسية. فانتقد رئيس الحكومة السابق الدكتور سليم الحص الهجوم غير المبرر الذي تعرض له رئيس المجلس النيابي فيما رد «حزب الله» على كلام جنبلاط الذي اتهم بري بأنه أنهى نفسه بيديه وسلّم أمره للحزب وطلب حمايته الأمنية. وأكد الحزب ان بري شريك كامل في قيادة المقاومة وانجازاتها، معتبراً ان كلام جنبلاط «أكاذيب وسخافات لا تستحق التعليق عليها»، ومشيراً الى رهاناته «الفاشلة».

من جهة ثانية، قال كوسران الذي اجتمع أمس الى عدد من قادة الأكثرية والمعارضة ان الأجواء مواتية لإجراء حوار داخلي، مؤكداً على إجراء انتخابات الرئاسة في موعدها وفق الدستور وأن اتصالات دائمة تتم بين فرنسا والأميركيين وان الموقف الأميركي «ليس مغايراً لموقفنا».

وإذ التقى الموفد الفرنسي ممثلي «حزب الله» مساء أمس، والرئيس السابق أمين الجميل والعماد عون، لفت قول رئيس «الكتلة الشعبية» النائب إيلي سكاف بعد لقائه كوسران ان الأخير «لا يحمل جديداً»، مشيراً الى «عدم وجود ضوء لحل الأزمة». وأضاف: «هناك رأي لم يكشف (كوسران) عن قائله، مفاده أنهم (الأكثرية) يطرحون أربعة أسماء (مرشحين) ونحن في المعارضة نختار أحدها. الأمر لا يمشي هكذا... لم تحل المشكلة».

وقالت مصادر مواكبة للقاءات كوسران انه يركّز على ضرورة إجراء انتخابات الرئاسة في موعدها، مشيرة الى ان مطالبة المعارضة بتشكيل حكومة وحدة وطنية قبل الاستحقاق الرئاسي لم تكن بنداً أساسياً على جدول أعمال جولته الاستطلاعية.

ولفتت الى تراجع البحث في الحكومة، مؤكدة ان كوسران سأل بري عن إصرار رئيس «كتلة الوفاء للمقاومة» محمد رعد على تشكيل الحكومة ولو قبل نصف ساعة من الانتخابات الرئاسية، فأجابه بري: ألا يعني كلامه القبول بمبدأ التزامن؟» (بين الحكومة والرئاسة) وأوضحت انه باستثناء هذا السؤال لم يحصل حديث آخر عن حكومة الوحدة الوطنية، «كأن الزمن تخطاها».

وتابعت ان بري توافق مع كوسران على إجراء الانتخابات في موعدها، لكنه شدد على ان الجلسة لن تعقد إلا في حضور أكثرية ثلثي أعضاء البرلمان. وأكدت أن كوسران جدد تأكيده ان كوشنير سيزور بيروت قريباً، وكشفت ان البحث تجاوز مبدأ الزيارة الى بحث التوقيت الواجب اعتماده لمجيئه، خصوصاً ان جهات محلية وعربية ودولية نصحت الوزير باعتماد التوقيت المناسب كي لا يحرق مجيئه بحيث يستثمر الزيارة لتسجيل اختراق يسمح بتسوية حول الاستحقاق الرئاسي.

وأشارت المصادر الى أن تحديد الموعد النهائي لزيارة كوشنير ينتظر تبديد الاحتقان.

وأكدت ان كوسران أبدى عدم ارتياحه الى الأجواء السياسية المشحونة التي رافقت زيارته، لكنه اعتبر ان هذه الأجواء يمكن ان تكون سائدة في كل بلدان العالم عندما تشهد استحقاقاً سياسياً، بحجم انتخاب رئيس. إلا ان المهم ألا يبقى هذا المناخ مسيطراً، وأن تنجح الاتصالات في تطويقه لاستئناف الحوار الداخلي حول انتخاب الرئيس الجديد.

وفي نيويورك، مدد مجلس الأمن ولاية القوات الدولية المعززة في جنوب لبنان (يونيفل) لفترة سنة بالاجماع، مؤكداً «اعتزامه النظر في اتخاذ المزيد من الاجراءات للمساهمة في تنفيذ وقف دائم لإطلاق النار وحل طويل الأجل». وأشاد المجلس في القرار 173 بـ «الدور الايجابي» لقوة يونيفل «التي ساعد انتشارها، إلى جانب القوات المسلحة اللبنانية، على تهيئة بيئة استراتيجية جديدة في جنوب لبنان»، متطلعاً إلى «زيادة تعاونها مع القوات المسلحة اللبنانية في اضطلاعها بولايتها».

ودعا مجلس الأمن «جميع الأطراف» إلى «التعاون التام مع مجلس الأمن والأمين العام للتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار وايجاد حل طويل الأجل على النحو المتوخي في القرار 1701»، وشدد على «ضرورة احراز مزيد من التقدم في هذا الصدد».

ورحب مجلس الأمن بـ «الاجراءات التي اتخذتها حكومة لبنان لبسط سلطتها على أراضيها، من خلال ما تقوم به قواتها المسلحة، بحيث لا تكون هناك أسلحة من دون موافقة حكومة لبنان ولا سلطة غير سلطة حكومة لبنان». وشدد المجلس على «ضرورة مواصلة التنسيق بين اليونيفل وبين القوات المسلحة اللبنانية، خصوصاً في ما يتعلق بإقامة منطقة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني تكون خالية من أي عناصر مسلحة أو أعتدة أو أسلحة غير عناصر وأعتدة وأسلحة حكومة لبنان وقوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان». كما شدد على «ضرورة أن تعزز قوة اليونيفل قدراتها على اجراء التحقيقات في الهجمات الإرهابية ضدها»، مديناًَ «باشد العبارات» هذه الهجمات.

وأكد المجلس مجدداً «ما للقوة الدلية من سلطة في اتخاذ جميع الاجراءات الضرورية في نشر قواتها وحسبما تراه مناسباً، ضمن قدراتها، لكفالة ألا تستخدم منطقة عملياتها لأنشطة عدائية من أي نوع، ومقاومة محاولات منعها من أداء ولايتها باستخدام القوة».

وأهاب «بجميع الأطراف المعنيين احترام وقف الأعمال العدائية والخط الأزرق بكامله»، وطلب من الأمين العام مواصلة تقديم تقارير الى مجلس الأمن بشأن تنفيذ القرار 1701 كل أربعة أشهر، أو «كلما رأى ذلك ملائماً».

ووصف نائب المندوب الاميركي الدائم السفير اليخاندرو وولف القرار بأنه «تقني» ويركز على اليونيفيل، لكنه شدد في كلمته أمام مجلس الأمن الذي انعقد في جلسة علنية لتبني القرار 1773، على ان «العنف» الذي ترتكبه الميليشيات في لبنان وعلى رأسها «فتح الاسلام» يبرز ضرورة تنفيذ القرار 1559 واتفاقات الطائف الداعية الى «تفكيك جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية».

كما حمّل السفير الأميركي كل من سورية وايران مسؤولية احترام حظر توريد السلاح الى أي طرف كان في لبنان سوى الدولة الشرعية بموجب القرار 1701، قائلاً ان «هذا واجب والتزام» عليهما. واعتبر وولف ان «تهريب الأسلحة عبر الحدود السورية - اللبنانية مصدر لعدم الاستقرار يقوض فرص السلام في لبنان».

وأثناء لقائه الصحافة خارج قاعة مجلس الأمن، ورداً على سؤال «الحياة» حول احتجاج المندوب الروسي على اشارة المندوب الأميركي الى مسألة تهريب الأسلحة في جلسة التمديد لقوات اليونفيل، قال وولف ان «الخسائر في صفوف قوات حفظ السلام في جنوب لبنان كانت نتيجة هجمات من جانب عناصر غير شرعية تحمل سلاحاً غير شرعي». وتساءل: «من أين أتت هذه الأسلحة؟ انه لواضح تماماً انها أتت عبر الحدود السورية - اللبنانية وانها تهرب بصورة أو بأخرى الى الجنوب اللبناني حيث تستخدم ضد عناصر ومهمة قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام».

مصادر
الحياة (المملكة المتحدة)