أحياناً, عندما أقرأ خبراً أو تصريحاً لرئيس مجلس وزرائنا, أجد نفسي أغني من حيث لا أدري مع وردة الجزائرية «حرمت احبك أحبك ما تحبنيش وابعد بقلبك وسيبني أعيش». والسبب الكامن في عقلي الباطني وراء هذا الربط بين رئيس الحكومة وهذه الأغنية ليس «قصة حب قديمة وفشلت» على طريقة الأفلام المصرية, وإنما هو العقل الجمعي للمواطنين السوريين الذي يدفعني لإدمان انتقاد الحكومة كلما دق كوز الأخبار المحلية بجرة التصريحات الرسمية. كل مرة أقول هذه آخر مرة, إلى أنه لا التصريحات والأخبار تتغير ولا أنا أتغير. حالي حال سائر الصحفيين في بلادي, المعمية قلوبهم عن رؤية النصف الممتلئ من كأس الراح السورية المترعة بالوعود والوعيد... خلال أقل من شهر أمطرنا رئيس الحكومة بسلسلة مانشيتات من الدر المنثور والجوهر المكنون, تثير الدهشة وتقتل أي بارقة أمل في البهجة. فبعد المواجهات التي شهدتها قرية المزرعة الملاصقة لمدينة حمص جراء إصرار السلطات المحلية على تنفيذ قرار بهدم المنازل المخالفة بمساحة القرية كلها, أعرب مهندس الحكومة وبراءة الأطفال في عينيه عن «أسفه» مستغرباً «كيف تم تشييد هذه المخالفات أمام أعين السلطات المعنية ومن دون أي رادع أو إجراء يتخذ»؟! وأنه «بعد تشييد المخالفات, تريد السلطات المحلية إزالتها في الوقت الذي يتوجب فيه على هذه السلطات تأمين حاجات سكان هذه المخالفات من ماء وكهرباء»!!وللعلم إن ما بين قوسين كلام ورد حرفياً في إحدى وسائل إعلامنا المحلية التي لا تكذب وتحديداً في أخبار الحكومة. ولإضفاء مزيد من الدراما على الخبر, عزا رئيس مجلس الوزراء «أسباب إنشاء المخالفات إلى الفساد في بعض أجهزة السلطات المحلية مطالباً إياها بأن تكون العين الساهرة على تنفيذ المخططات التنظيمية, مؤكداً ضرورة اتخاذ القرارات الحكيمة من قبل البلديات والسلطات المحلية وقبل تنفيذ أي خطوة». إذا شئنا إعراب هذا «التصريح» أو «التوجيه» أو «الحكي», سنكتشف انه من النوع الاستهلاكي الصالح للاستخدام مرة واحدة فقط, بمجرد خروجه من قاعة الاجتماعات حتى قبل أن ينشر على الملأ. وبإعراب المفردات والجمل نرى أن الأسف والاستغراب, كلمات للاستهلال من فئة «حيالله غرض بعشرة ويا بلاش». أما قوله إن أسباب المخالفات هي «الفساد في بعض أجهزة السلطات المحلية» ­ ونضع عدداً لا نهائياً من الخطوط تحت كلمة بعض ­ جملة حق يراد بها التنصل من المسؤولية عبر الاعتراف بوجود خطأ, وكأن هذه الأخطاء أو الخطايا توجد في الواقع معزولة, لا أم لها ولا أب ولا أسرة تحميها وتدافع عنها بشراسة وتسهر على رعايتها ليل نهار... ولمزيد من التشويق والتنميق يطالب رئيس الحكومة أجهزة السلطات المحلية وطبعاً من ضمنها المجموعة المقصودة بـ«بعض» ­ التي وضعنا تحتها خطوطاً ­ بأن تكون العين الساهرة على «تنفيذ المخططات التنظيمية». وهنا يلتبس علينا الإعراب, ويضيع منا المعنى, لأنه بحجة هذه المخططات تصدر قرارات الهدم والإزالة, ويسبب تنفيذها مواجهات عنيفة بين المواطنين والسلطات المحلية!! فكيف يستغرب رئيس الحكومة حصول مواجهات ويطالب بالحكمة وفي الوقت ذاته يأمر بتنفيذ المخططات!! كيف تُعرب هذه الجملة؟ خصوصا عندما يتهم رئيس الحكومة البلديات بأن «بعضها» يتخذ قرارات «من دون تفكير» من حيث إدخال الاستثمارات لمناطق مستقرة عمرانياً تحت اسم التخطيط العمراني!! وبما أننا نزاول العيش في حلقات برنامجنا الوطني «تسلى مع الحكومة» لا بد من «شوية» أسئلة لتفعيل الترفيه والتسلية, كواجب وطني لملء وقتنا العاطل من العمل: السؤال الأول: إذا كان الفساد وراء المخالفات, أي أن هناك طرفين ضالعان فيها المواطن المخالف والمسؤول المرتشي الذي سمح بالمخالفة, لماذا يدفع المواطن وحده ثمن تصحيح المخالفات, ولماذا لا يتم تعقب المرتشين ومقاضاتهم ومحاسبتهم على ما اقترفت أيديهم؟ السؤال الثاني: بأي حق تستملك الدولة عقارات وأراضي المواطنين مقابل أسعار مجحفة, لتقوم ببيعها بعد اقل من عام على استملاكها لآخرين بأضعاف مضاعفة!! وعلى عينك يا تاجر!! السؤال الثالث: كيف توضع أكثر من إشارة استملاك على العقار الواحد, وكيف يتم تنفيذ مشروع غير المشروع الذي تقرر بموجبه الاستملاك. للإجابة عن هذه الأسئلة, يكفي المواطن بضع ثوان لبق البحصة, بعدها نعده بأن ينام قرير العين هانيها لقرن مقبل. أما رئيس الحكومة والحكومة ومجالس البلديات الآفلة واللاحقة, فلها الوقت كل الوقت كي تتسلى بنا ونتسلى بتصريحاتها النموذجية التي لم يعد يهنأ مقال لنا من دونها, إلى درجة بتنا نتوجس من يوم نستيقظ فيه ونجد أن الحكومة قد تغيرت ­ بعيد الشر­... وأخيراً نرجو من رئيس الحكومة أن يسامحنا وأن لا يصدق قولنا له بلسان وردة «حرمت احبك وسيبني أعيش», لأن المعنى في قلبنا ما تغنيه فيروز: شو بدي بعد فيك€ما كل القصص والحكي فيك€معقول فيه أكتر أنا ما عندي أكتر€وووو... بيكفي.

مصادر
الكفاح العربي(لبنان)