"إن الدولة تدعي لنفسها كاريزما خاصة بها، لذلك فهي تعمد الى إخضاع اللاهوتي لها وتوظيفه لخدمتها كما تعمد الى إعداد مصانع للأفكار والأيديولوجيات تتولى مهمة تسويق سياستها وسيطرتها "

لطالما حاول المحلل السياسي العربي و حتى المواطن العادي محاولة فَهم الخيارات التي تطرحها الادارة الأميركية والأسس التي تنبني عليها، لا لاهتمامه بمجريات الاحداث الأميركية وحسب، بل لأن خيارات هذه الإدارة تنصب آخر الأمر على رأسه، ولطالما اعترض الشارع العربي على موقف هذه الدول من قضاياه التي يعدها عادلة، غيرانه من الطبيعي أن تسعى كل دولة لتحقيق ما تراه مناسبا لمصالحاها هي لا مصالح غيرها من الشعوب. وإن كانت هناك مشاريع دولية كبيرة في المنطقة – بصرف النظر عن أهدافها سواء كانت للسيطرة أم للمساعدة ومنح الديموقراطية- فإن الخلفية التي تنبني عليها الأفعال، خلفية فكرية وفي معظم الأحيان دينية وأيديولوجية، وغالبًا ما يُسخر الديني لخدمة الأهداف السياسية..علمًا أنّ الدول الكبرى لا تهتم بالدول الأخرى، إلا بالقدر الذي يمكّنها من تسريع دورة رأس المال، والدورة التجارية للسلع من خلالهاوما يمكن أن تستفيد منها من موارد الطاقة، وبالتالي فكون هذه الدول تفرض سلعها ونمط استهلاكها لا يعني أنها تستهدف الآخرين من أجل الاستهداف وحسب، ولكن من أجل السوق، لتسريع وتيرة الدورة الربحية للسلعة الرأسمالية؛ ولعل تكنولوجيا الإعلام والاتصال تجهيزًا وخدمات، إحدى الوسائل التي توظفها هذه الدول، فهي توظف فيها الهدف التجاري من جهة، والوسيلة من جهة أخرى، وسيلة تنميط الأفراد والمجتمعات لخدمة الهدف التجاري والجيوستراتيجي لها. إن هذه المشاريع سواء كانت بهدف التسويق التجاري او السيطرة الجيو سياسية إلا أنها لا بد لها من معتقد يترجمها وأيديولوجيا يرتكز عليها ولاهوت يدعمها، وهذه الأمور تتولد في العادة من مؤسسات منتجة للأفكار تلعب الدور الأبرز في عملية صنع القرار السياسي والاستراتيجي القريب منه والبعيد ؛حيث يتم توظيف الأبحاث الصادرة عن مراكز الدراسات في صناعة القرار السياسي ويشير ريتشارد هاس إلى أن مصانع الأفكار الأمريكية سواء العامة أو الخاصة تعمل في الأساس على تحقيق خمس فوائد أو اهداف رئيسية فهي تساهم أولا في توليد تفكيراً جديداً بين صانعي القرار الحاليين أنفسهم، كما أنها تعمل على توفير الخبراء وصنّاع القرار اللاحقيين بهدف الخدمة في الإدارة والكونغرس، علاوة على انها تمنح صانعي السياسة مجالاً هاماً لبناء تفاهم مشترك حول الخيارات السياسية، كما تلعب دورا تثثقيفيًّا للمواطنين والرعايا بشان ما يدور في الساحة السياسية العالمية، وهي تقوم بدور طرف ثالث وسيط بين الأطراف في أي صراع. ووفق الدراسات المتعلقة بدور مراكز الاعداد فإن عدد مركز الدراسات التابعة لليمين الأمريكي والموجودة داخل الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها يبلغ حوالي خمسون مركزاً،حيث تتبلور أدوار هذه المراكز من خلال التركيز بالدرجة الأولى على صناع القرار والنخب العاملة في الكونغرس، في حين يترك بقية شرائح المجتمع الأمريكي لمؤسسات جماهيرية يمينية أخرى ويتم الدعم المادي لتلك المراكز عبر هيئات خيرية يمينية معروفة هذا بالإضافة لشبكة واسعة من المتبرعين اليمنيين الذين غالبًا ما يمتلكون كبرى الشركات العالمية، ويترافق كل ذلك بالتزامن مع عمل المؤسسات الإعلامية التي تقود عملية "التوجيه الاعلامي" وتأمين الدعاية اللازمين. إن مراكز الدراسات وإعداد "القادة" تضع في غالب الأحيان أهداف واضحة ومحددة تسعى لتحقيقها من خلال التركيز على رسائل وعدم التشتت وطرح القضايا التي تلتزم بالحياد والموضوعية والتي تتبناها عادة مراكز الدراسات اليسارية، علاوة على وجود مناخ بحثي مشجع داخل مراكز الابحاث و مصانع الأفكار اليمينية. إن قراءة البنى التطبيقية والعملية لسياسة المحافظين الجدد من اليمين تجعلنا نستشف أن المحور التوسعي و محور توظيف المقدس هما أحد أهم مرتكزات هذه السياسة وذلك من خلال استثمار ترتيبات مرحلة الأحادية القطبية وتسيير العالم وفق ما يراه اليميين المحافظ وليس وفق ما يراه ذلك العالم،وهو ما صرّحت به مستشارة الأمن القومي ووزيرة الخارجية الحالية كونداليزا رايس عقب وصول بوش الابن للبيت الأبيض في مطلع عام 2001 حيث قالت بأنه بات من الصعب تقبل فرضية تساوي دولة قوية مثل الولايات المتحدة الأمريكية مع بقية دول العالم أمام مبادئ القانون الدولي العام. كما أن توظيف المقدس الديني اللاهوتي لخدمة السياسي تجلى من خلال تحالف كتلة اليميين المسيحي مع المحافظين الجدد، والمتأمل لدور الدين في حياة الشعب الأمريكي يلحظ أن حياة ذلك الشعب مرجعة بالإحالات على الله ـ وأن تمظهرات قطع النقود ـ المباني العامة ـ الشهادات اللغوية مثل" بالله نؤمن ـ بلاد الله ـ بارك الله أمريكا " تؤكد وتعزز من ذلك كما أن الدراسات والكتابات المختصة في هذا الشأن تفيد بأن القاعدة الشعبية التي يقوم عليها حكم بوش الابن مؤلفة من حوالي 60 إلى 70 مليون رجل وامرأة يؤمنون مثله بأنهم التقوا يسوع المسيح وأنهم وجدوا على الأرض من أجل اتمام عمل الله في بلاد الله. لا بد من الإشارة أخيرًا أن ما هو حاصل الان من سيطرة أحادية، حصل عبرتاريخ الأمبرطوريات و ربما سيحصل بصورٍ متنوعة و مسميات متعددة، فالقوي المسيطر يوظف الديني ويُسخر اللاهوتي ويضع سائر من يصفهم بالضعفاء" ضمن خانة "العبيد" ولو بشكلها الرمزي، فيمنح نفسه حق تسخير الامم لخدمة مصالحه ناعتًا الآخرين بالعنف والإرهاب وشتى أوصاف السلوك الشنيع، وقديمًا روي أن أحد القراصنة سقط في أسر الإسكندر الكبير، الذي سأله: "كيف تجرؤ على إزعاج البحر؟؟" بل و كيف تجرؤ على إزعاج العالم بأسره أيها اللص الحقير؟ فأجاب القرصان "لأنني أفعل ذلك بسفينة صغيرة فحسب، أدعى لصاً، وأنت، الذي يفعل ذلك بأسطول ضخم، تدعى إمبراطوراً!!!!!"