بالرغم من الضجيج الإعلامي الإسرائيلي بشأن الاستعداد العسكري السوري، انتقلت بعض الأوساط السياسية في تل أبيب للحديث المتفائل بشأن التسوية مع سوريا، مبشرة باحتمالات إقلاع قطار التسوية المتوقف فوق الهضبة السورية منذ عام 2000 عندما انهارت مفاوضات شيبرزداون مع الجانب السوري نتيجة الهوة الكبيرة بين الطرفين بشأن مبدأ الانسحاب الشامل والترتيبات الأمنية وغيرها من المواضيع التي باتت تشكل نقاط استعصاء كبيرة على مسار التسوية بين سوريا والدولة الصهيونية.

وقبل فترة قصيرة أشارت مصادر إسرائيلية إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت يعمل على التحرك النشط من أجل إعادة إحياء المفاوضات مع سوريا، وذلك في سياق محاولاته لتحقيق إنجاز ما بعد سلسلة الفضائح والهزائم السياسية التي ميزت رئاسته للحكومة الحالية، خصوصاً بعد تقرير لجنة فونوغراد، والمصادر الإسرائيلية ذاتها كشفت عن اتصال هاتفي بين إيهود أولمرت والرئيس الأميركي جورج بوش.

حيث قالت إن أولمرت أبلغ الرئيس بوش أنه قرر فحص إمكانية استئناف المفاوضات السلمية مع سوريا، بعد أن توصل إلى استنتاج مفاده «انعدام الفرص للتوصل إلى اختراق سياسي مع الفلسطينيين»، وأكدت المصادر أن الرئيس بوش وافق على موقف أولمرت وأعطاه الضوء الأخضر لفحص الخيار السوري، وقال له «إسرائيل هي دولة ذات سيادة» وأميركا «لن تقف في طريقكم إذا نضجت الظروف لاستئناف المفاوضات مع سوريا».

في هذه الأثناء أشارت استطلاعات للرأي في إسرائيل نشرت قبل فترة إلى أن (74 %) من الإسرائيليين لايثقون بموقف سوريا بصدد السلام، وأن (45%) منهم مع استئناف المفاوضات بين إسرائيل وسوريا، على فرض أنها ستعنى أيضا بمستقبل الجولان، بينما عارضها (48%) وأن (44%) ضد أي انسحاب من الهضبة السورية، مقابل (44%) مع انسحاب جزئي، ونسبة (10%) مع الانسحاب الكامل.

ولكن، لماذا انهارت مفاوضات المسار السوري الإسرائيلي عام (2000) في شيبرزداون في الولايات المتحدة، وهل يحمل الموقف الإسرائيلي الجديد عناصر تساعد على عودة المفاوضات، أم الأمر ليس سوى مناورة سياسية جديدة يعمل من خلالها أولمرت على تحقيق انفراج ما في أوضاعه الداخلية ؟

في الإجابة المباشرة، نقول إن استعصاءات المسار التفاوضي بين سوريا ودولة الاحتلال الصهيوني لاتقف عند نقاط تباين محدودة، بل تتعدى ذلك نحو المساس بجوهر عملية التسوية، خصوصاً بالنسبة لمصير الأرض، ولدور سوريا الإقليمي والعربي ومحاولة إسرائيل تقزيمه من خلال الاشتراطات الثقيلة التي تم وضعها على طاولة المفاوضات مع الجانب السوري، فضلاً عن الإشكاليات المتعلقة بمفاهيم الترتيبات الأمنية التي تطالب بها إسرائيل.

وعلى هذا الأساس فإن التفاؤل الحذر سيبقى سيد الموقف مادامت المواقف الإسرائيلية حتى اللحظة مواقف غائمة تجاه الاستحقاقات المترتبة من أجل سلام متوازن على أساس الشرعية الدولية. ويمكن تلخيص عناوين التباين بين الموقفين السوري والإسرائيلي وفق التالي:

1.الحدود : الموقف السوري يتحدث عن الانسحاب الكامل إلى خط الرابع من يونيو لعام 1967 استناداً إلى مبادئ الحق والقانون والشرعية الدولية، وإزالة الاحتلال بكافة مظاهره وما ينتقص من الانسحاب الشامل، انطلاقاً من ذلك تعتبر سوريا أن الانسحاب الكامل أمر غير خاضع للتفاوض.

وربطت التقدم في مناقشة القضايا الباقية رهناً بتحقيق التقدم بمسألة الانسحاب الشامل. بينما تفاوض إسرائيل حول مسألة الحدود معتبرة نفسها الوريث الشرعي لفلسطين الانتدابية، وفي هذا الاعتبار مخالفة وتناقض واضح مع القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية. فالدولة العبرية هي الدولة الوحيدة في العالم التي قامت بقرار، هو قرار التقسيم ( القرار181 لعام 1947) .

وهذا القرار التشريعي الدولي وحده رسّم حدود إسرائيل، لكن الدولة العبرية تجاوزته وزحفت قواتها من المناطق المخصصة لها على مساحة (52%) من أراضي فلسطين التاريخية إلى مساحة تقارب من (75%) واستكملت ذلك باحتلال أراضي الضفة والقطاع والقدس كاملة، عدا عن طرد مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين من المناطق المخصصة للدولة العبرية، لذا فان ادعاء إسرائيل بكونها الوريث الشرعي لفلسطين الانتدابية يفتقر إلى المشروعية والمرجعية وفق القانون الدولي، ويبطل ادعاءها بحقها في السيادة على المساحة الفاصلة بين فلسطين الانتدابية وخط الرابع من يونيو لعام 1967على طول الحدود مع سوريا.

2.محطات الإنذار المبكر: تطالب إسرائيل بإبقاء محطة إنذار مبكر استخبارية في جبل الشيخ، بينما قبلت سوريا بوجود محطة إنذار مبكر مؤقت لمدة خمس سنوات، تشغل من قبل جهات دولية مختلفة ودون أي تواجد إسرائيلي.

3. الإجراءات الأمنية: تحدثت سوريا عن ضرورة التوازي والتكافؤ ودون انتقاص من السيادة الوطنية لسوريا، بينما تقدمت إسرائيل طوال جلسات المفاوضات مع سوريا باقتراحات غير متكافئة وباشتراطات أمنية ثقيلة تمس السيادة الوطنية السورية.

4.المياه وبحيرة طبريا: تؤكد سوريا على حقها الطبيعي فوق كامل أراضيها المحتلة عام 1967 بما في ذلك حقها الكامل في مواردها المائية، وحقها في مياه بحيرة طبريا باعتبارها دولة مشاطئة للبحيرة بينما تسعى دولة الاحتلال الإسرائيلي إلى حرمان سوريا من حقها في مياه البحيرة وترسيم الحدود بعيداً عن المشاطئة السورية.

5.جيب الحمة: تصر دولة الاحتلال الصهيوني على الاحتفاظ بمنطقة جيب الحمة لاعتبارات متعددة، وتطرح بالمقابل فكرة «تبادل الأراضي» كما تم في اتفاق وادي عربه مع الأردن عام 1994.

6.قضية اللاجئين الفلسطينيين في سوريا : إن سوريا التي تربطها بفلسطين حقائق التاريخ، والبعد القومي، تحتضن فوق أراضيها أكثر من نصف مليون لاجئ فلسطيني دخلوا إلى الأراضي السورية عبر بوابة هضبة الجولان منذ النكبة الفلسطينية عام 1948، تجد نفسها موضوعياً، ووطنياً، وقومياً، وإنسانياً، وأخلاقياً، معنية بشكل مباشر بإيجاد حل عادل لقضيتهم على أساس قرارات الشرعية الدولية، وعليه فإن حق العودة سيبقى أيضاً وكما أشارت القيادة السورية على أعلى مستوياتها عنصراً أساسياً من عناصر العملية التفاوضية من أجل تطبيق قرارات الشرعية الدولية خصوصاً القرار (194) المتعلق بتطبيق حق العودة.

وانطلاقاً من ذلك فإن سوريا بما يجري ويكتنف كواليس وجنبات المسار الفلسطيني / الإسرائيلي، وبصيغة السلام الشامل، نقيضاً لسلام وتسويات الحلول المجزّأة المنقوصة إلى مادون سقف قرارات الشرعية الدولية، التي فككت وحدة الموقف التفاوضي العربي، وقذفت بالقضايا الرئيسية في مسار الصراع العربي / الصهيوني كقضية اللاجئين الفلسطينيين إلى المجهول.

وخلاصة القول، إن المطامع الإسرائيلية في الجولان السورية تتعدى إلى ماهو أبعد من الجانب المادي البحت المتعلق بالأرض والمياه والثروات المختلفة والموقع الجيوستراتيجي، تجاه المضمون الذي تريده إسرائيل في الرؤية الأوسع لمجمل مسار عملية التسوية في الشرق الأوسط.

فتعقيدات ملف المسار التفاوضي السوري / الإسرائيلي تلخص إلى حد كبير المرامي والأهداف الإسرائيلية البعيدة، والهادفة إلى تغيير الخارطة الجغرافية من الناحية الاستراتيجية، وابتلاع دول المنطقة اقتصادياً وتهميشها، وسلخ روابطها القومية والتاريخية المشتركة، خصوصاً بلاد الشام، والاحتفاظ بأجزاء هامة من الأراضي السورية وضمها إلى الدولة العبرية الصهيونية أولاً، وتحجيم الدور الإقليمي السوري من خلال فصل المسارين الفلسطيني واللبناني وتفتيتهما وعزلهما نهائياً عن بعدهما القومي العربي، والسوري منه على وجه الخصوص ثانياً.

إن الصمت المطبق / ومناخ التسوية المكفهر الذي يخيم فوق مرتفعات الجولان السورية المحتلة، وعلى مجمل المسار التفاوضي السوري / الإسرائيلي منذ سنوات، في ظل عملية سلام مختلة، ومتعثرة، لا أفق مرئياً لها، يشي بأن الأمور مازالت على سكة البداية بالنسبة لمصير عملية التسوية والسلام الشامل المنشود في الشرق الأوسط، بالرغم من انقضاء أكثر من عقد ونصف من الزمن على انطلاقها عشية مؤتمر مدريد في 30/10/1991.

ويشير أيضاً إلى الكم الهائل من التعارضات والتناقضات بين الطرفين المعنيين السوري والإسرائيلي، بين سلام «قوة الحق» وسلام «حق القوة»، تماماً كما يجري الآن فوق الأرض الفلسطينية، حيث اصطدم منطق القوة الإسرائيلي الصهيوني مع إرادة الشعب الفلسطيني في انتفاضته التي دقت أبواب التاريخ المعاصر للبشرية بأسرها، كأكبر حركة فعل ديمقراطي تحرري في الزمن الراهن.

مصادر
البيان (الإمارات العربية المتحدة)