كلما شاهدت برنامجا عن الافتراس في شريعة الغاب يدهشني ذلك البعد الاخلاقي الذي يحكم الحيوانات في صراعها للبقاء ، فكل الحيوانات تخشى الطبيعة وتهابها وكلها متصارعة لبقائها منطلقة من مخصصاتها من القوة ، هذه الشريعة النبيلة والبسيطة قد تقودنا إلى نتيجة ( نيتشه ) الأخلاقية والذي اعتبر أن القوة هي الأخلاق ولأخلاق هي القوة . ولعل ( نيتشه ) استقى مفهومه عن الأخلاق من هذه الشريعة التي بقيت منذ الأزل وحتى الآن بنسبة مقبولة مرتبطة بقانون توازن القوى وتعددية الأقطاب وهنا بيت قصيدنا من هذا التمهيد " توازن القوى وتعدد الأقطاب " منظومة البقاء الوحيدة هو شريعة الكائنات جميعها عدا الإنسان .

فالسياسة العالمية بدأت تتجه الآن باتجاه هذه المنظومة وتستعيرها لتحقيق شرعية لبقائها لكن مع تخصيص لطبيعة هذا البقاء المشوب بالقوة أحيانا وبالتسلط والاستبداد غالباً . والأكثر ريبة في هذا أنها مقنعة بكل أشكال الخلاص من الوعود المترهلة في تخفيف حدة التصعيد في المنطقة ودرء خطر الهيمنة والقطب الواحد إلى وضع الشعوب في صلب التجربة الديمقراطية وانتشالها من براثن الأنظمة الشمولية . لكن توازن القوى الآن لم يعد مرتبطاً بالتحسن الاقتصادي والتسلح النووي بل في التنافس المستشرس على موارد الطاقة الآيلة إلى الزوال . وبالمناسبة هي آيلة للزوال لان الإنسان ما انفك يعبث بمقدرات الطبيعة ويستهلكها دون ناظم حتى ادخلها ودخل معها مرحلة الخطر. وهذا ما يعيدنا بخطوات واسعة إلى حتمية مفاهيم الطبيعة المرتبطة بالحاجة والافتراس لإشباع هذه الحاجة , لذلك من الغباء اعتبار الافتراس تحالف منظم لمواجهة الهيمنة والقطب الواحد أو اعتبارها ديمقراطية مجربة تسرقني بيد وترعى اعتدالي وتوازني باليد الأخرى.

هذا السقوط المباغت للسياسة العالمية في هوة الخوف من الإفلاس والفقر أو حتى تقلص النفوذ والخشية من التهميش والتبعية هو السبب الرئيس لهذا التوتر والتصعيد وأيضاً الظهور المقنع للدوافع الإفتراسية . لذلك ارتحلت سياسة الدول الصناعية للعمل على الجبهة الأسيوية خصوصاً بعد فشل القمة الروسية الأميركية وظهور النزاع وتنافس بين الدولتين العظميين على حقيقته .

فالتصريحات الروسية عبر منظمة تعاون شنغهاي المحدثة عقب أحداث 11 أيلول تشير إلى خلق قطب أخر يواجه سياسة القطب الواحد والهيمنة الأمريكية , وبأن وجود حلف عسكري واقتصادي قد يعقلن سياسة الإدارة الأمريكية . لكن بالنظر إلى تباين القوى الصارخ بين أعضاء هذه المنظمة وانعدام التوازن في العضوية ذاتها بالنسبة للمكانة العالمية وأهمية الدور الإقليمي الذي تلعبه بعض الدول الأعضاء في هذه المنظمة وخصوصاً إيران الموجودة بصفة مراقب فيها نلاحظ أنه ليس إلا تحالف روسي صيني بهاجس زعامة إيرانية لرعاية المصالح الإستراتيجية والاقتصادية لهذه الدول في المنطقة رغم إيعاز بيان القمة المنعقدة لهذه المنطقة الذي أشار إلى إنشاء آليات مشتركة تتصدى للتحديات التي تواجه المنطقة وان عهد الانفرادية الأمريكية يجب أن يزول وان تتراجع ألإدارة الأميركية عن سياسة القطب الواحد وتقتنع بتوازن القوى وتعدد الأقطاب .

هذه التصريحات أكدت للبيت الأبيض محاولة روسيا كسر الطوق الاستراتيجي المفروض عليها من قبل أمريكا , ووجدت أنه شروع بالتملص من القبضة الأمريكية وإعادة بناء القوة الروسية المفقودة . وعلى هذا بدأت الخارجية الأميركية بالتحدث عن انتخابات حرة ونزيهة في روسيا العام المقبل وتحذر من تعديل الدستور الروسي لمواجهة سياسة بوتين الرئيس الروسي التي أخذت على عاتقها استعادة القوة الروسية المفقودة وتمكين اقتصادها . وفي هذه الدوامة السياسية المعقدة وضمن الوصاية الأبوية التي تنتهجها السياسة العالمية تجاه المنطقة , يهمُّنا سؤال واحد فقط . هل أصبح أمر استقرارنا وأمننا وحريتنا هو الهاجس الأول في أجندة قواد العالم ؟ أم أن الافتراس وحرب النفوذ والتكالب على مصادرة الطاقة هو من يعطي المنطقة هذه الأهمية ؟ ونصبح نحن وأمننا وحريتنا وسيلة لنهاية قد تجاوزتنا منذ أمد مصالحي . علينا أن نعترف أن أميركا هي الأقوى لكن يجب أن نؤمن بأنها ليست القائد للعالم , فالقائد كما أظهرته وتظهره السينما الأميركية دائما قوي شجاع إنسان , وأكثر ما يعنيه النصر وحياة الجنود ، فهل تشبه أميركا قائدها الإفتراضي .

هذه المليارات من الدولارات التي تصرفها على تسليح حلفائها في المنطقة بدل أن تمنحها للعلم لدرء الخطر الكارثي الذي يهدد الكوكب والبشرية كلها . عدا تكميم أفواه العلماء لكي لا يدلوا بتصريحات عن الأزمة البيئية المرتقبة و القريبة والتي تهدد الأرض ، فكيف يمكننا أن نقتنع بأن أمريكا وغيرها من الدول الكبرى تعمل لصالحنا و لمنحنا الحرية والاستقرار .

عذراً أمريكا كان بوسعي أن أحبك . لو كنت نمراً في الافتراس ورجلاً شجاعاً في القيادة .