كشف المعلق العسكري لصحيفة «يديعوت أحرونوت» أليكس فيشمان النقاب أمس عن وثيقة أعدت في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، حول سيناريوهات الوضع المحتملة في العراق والمنطقة، وأوصت بوجوب التزام الصمت، والحفاظ على حضور متدن، من اجل عدم إغاظة الحلفاء الاميركيين بصورة أساسية، وعدم إثارة الانطباع الخاطئ بأن تل أبيب تتدخل في انتخاباتهم الرئاسية. وتحذر الوثيقة من أن يؤدي الوضع المتفجر في العراق، الى مواجهة داخلية في لبنان. وشارك في إعداد الوثيقة، التي سلمت لوزير الدفاع إيهود باراك قبل أسابيع، خبراء من وزارة الدفاع وشعبة الاستخبارات العسكرية وشعبة التخطيط في هيئة الأركان ومختصون من وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي. وأوضحت «يديعوت» أن المداولات بشأن هذه الوثيقة امتدت على مدى ثلاثة اشهر، مشيرة الى أن الحديث بشأنها يتعاظم لأن الوضع يزداد توترا «ولا يعرف أحد متى وكيف سينفجر». والوثيقة عبارة عن بضع أوراق خالية من التوصيات الحقيقية، بسبب تعلق الأمر «بمجريات ليست لنا أي طريقة للسيطرة عليها. الوثيقة التي وضعت على طاولة باراك تتعلق بحكاية كبيرة بالنسبة لحجمنا بمرات عديدة. وهي تتعلق تقنيا باليوم الذي يلي خروج الاميركيين من العراق. وعمليا، يتعلق الامر بشرق اوسط جديد. هزة أرضية». وبموجب الوثيقة، يحظر على القادة الإسرائيليين إعلان أي موقف بشأن الانسحاب الأميركي من العراق، لأن من شأن ذلك أن يشكل تدخلا في الشؤون الداخلية الأميركية، بسبب اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية. وأشار التقرير إلى أن وفدا «من دولة مجاورة» زار إسرائيل للتباحث في خطر سيطرة حركة حماس في غزة، على الأردن. ولكن الوفد تطرق إلى «الخطر العراقي» على الأردن، ليس فقط بسبب أعداد اللاجئين الحالية وإنما بتوقعات طوفان اللجوء العراقي في الأردن والخطر الذي يمثله. ويجري الحديث عن أن هذا الطوفان قد يغدو مسألة وجودية تهدد النظام الاردني الذي سيكون، اذا تضرر، قطعة الدومينو الاولى التي ستُسقط باقي القطع في الفسيفساء الشرق اوسطية كلها. ولذلك يتعين على اسرائيل ان تبذل كل ما في وسعها لتعزيز المصالح الاردنية في المنطقة. فالاردن يشكل اليوم، وفق التقرير، المنطقة الفاصلة الأهم بين اسرائيل و»الهلال الشيعي» والارهاب الاصولي من الشرق. وستتعزز أهمية السلام مع الاردن كذخر استراتيجي لاسرائيل، فقط بعد رحيل الاميركيين من العراق. ويشدد تقرير المعلق العسكري في «يديعوت» على أن ثمة مدرستين في إسرائيل إزاء قضية «ما بعد العراق»: الاولى، وهي الأبرز حاليا، تقول إن الانسحاب الاميركي في الظروف الحالية سيئ جدا لاسرائيل، ذلك لانه سيُفسر كضعف ومن الممكن استشعار آثاره على المنطقة من ايلول الحالي. وفي ايلول ستبدأ ايضا سلسلة المساءلات الدراماتيكية في الكونغرس الاميركي حول «نجاحات» الاحتلال في العراق. ويلحظ الخبراء في اسرائيل الأمواج المتسعة التي ستنجم عن عملية المساءلة في الكونغرس. وبحسب تقديرهم، فإن الأمر قد يقود إلى توتر قد يصل الى حد التفسخ بين الادارة الاميركية والحكومة العراقية الحالية. أضف الى ذلك، يُعبّر السعوديون من الآن عن امتعاضهم من امكان رحيل الاميركيين عن العراق.

وبحسب التقديرات الإسرائيلية، «سيؤدي الرحيل الاميركي عن العراق الى حرب طائفية. هذه نقطة الانطلاق في المداولات الداخلية في اسرائيل حول مرحلة ما بعد الانسحاب، والاميركيون يخرجون من العراق تاركين وراءهم نظاما مناصرا لايران في بغداد. والسنة في العراق لن يقبلوا هذه التسوية، والمجابهة المسلحة مسألة لا يمكن منعها. في هذه المجابهة سيقف السعوديون ودول الخليج والاردن، وربما مصر، وراء السنة. ومن الناحية الاخرى سيقف الايرانيون وحزب الله. السوريون سيعملون مع الجميع، فهم مرتبطون بإيران، ولكنهم يؤيدون المتمردين السنة الذين ينطلقون من سوريا لتنفيذ العمليات في العراق». ويوضح تقرير «يديعوت» أنه في ظل وضع تتدخل فيه ايران في القتال الجاري في العراق، «ثمة احتمال كبير بحدوث مجابهة بين القوى المختلفة في لبنان، الموجودة أصلا في وضع هش وقابل للانفجار». ويرى التقرير أن «الحكومة اللبنانية لا تتمتع بغالبية، كما لا يوجد رئيس للجمهورية متفق عليه. صحيح أن السوريين لم ينجحوا في حرف حزب الله ودفعه لتنفيذ خطوة عنيفة تتجسد بالسيطرة على الحكم، إلا أن الاحتمال قائم، وما على الايرانيين سوى أن يعطوا الضوء الاخضر فقط». ويشير التقرير الى ان الايرانيين «لم يعطوا هذا الضوء حتى الآن لانهم مشغولون حتى رأسهم بإعادة بناء القواعد الايرانية في لبنان، التي ترمي كلها الى ردع اسرائيل والاميركيين عن الهجوم. الاستثمارات الايرانية الهائلة تتدفق لحزب الله. الاعمال التي يقوم بها حزب الله تثير الدهشة والإعجاب. يقومون في شمالي الليطاني ببناء مواقع محصنة للحزب بوتيرة جنونية. كما أن العلاقات العسكرية بين حزب الله وسوريا وصلت الى ذروة لم تصل اليها في أي وقت سابق». ويتابع التقرير انه «اذا كانت نيران المجابهة المسلحة في العراق ستنتشر لتصل الى العقدة اللبنانية، فستتطاير الشرارات نحو اسرائيل. سباق التسلح الاسرائيلي ـ السوري يمر أصلا في ذروته. وما زال من المبكر جدا تخفيض مستوى الجاهزية والتأهب. الجهات الاستخباراتية البارزة في اسرائيل تلاحظ لدى الرئيس السوري، على أساس تصريحاته العلنية، «شغفا» بخيار الخطوة العنيفة ضد اسرائيل. سنشهد في العام 2009 ذروة تعاظم القوة السورية حيث ستُستكمل صفقات السلاح مع روسيا، ويتم هضم ذلك داخل الجيش السوري، وسيصل النضج السوري للحرب الى ذروته. عموما، في العام ,2009 ستنضج سلسلة من المجريات المختلفة: الرئيس الاميركي سيتبدل، والسياسة الاميركية في الشرق الاوسط ستتغير، وسيبدأ الانسحاب الاميركي من العراق. وفي المقابل قد تصل إيران في تلك السنة الى نضجها النووي العسكري. حتى وإن لم تكن القنبلة بيديها، فستعطي الانطباع بأنها موجودة. كل هذه المجريات لا تُبشر بالخير لاسرائيل». أما المدرسة الثانية في اسرائيل، فترى نقاطا مضيئة ايضا في عملية الانسحاب الاميركي من العراق، ويتركز اهتمامها على القنبلة الايرانية. أولا، يدعي أنصار هذه المدرسة أن الانسحاب الاميركي من العراق لن يكون فوريا بل على مراحل. في البداية سيخرج الجيش من المدن نحو المعسكرات الكبيرة، وينتشر ايضا في دول صديقة مثل الاردن وتركيا، الى أن يعود الاستقرار الى العراق. وعلاوة على ذلك، يعارض قادة الجيش الاميركي في العراق أي عملية ضد ايران بصورة حازمة، ذلك أنها ستتسبب بأعمال انتقامية ضد الاميركيين في العراق. من هنا يسهل الانسحاب الاميركي من العراق القيام بعملية عسكرية اميركية شاملة ضد البرنامج النووي الايراني. وللمناسبة، لا يصاب أنصار هذا المذهب ايضا بالذهول أو الخوف من المجابهة التي قد تندلع بين السنة والشيعة في العراق، أو بين العرب والايرانيين، بل على العكس.

مصادر
السفير (لبنان)