بعد أن هدأ بال الشعب واستراح بأن الدعم لن يرفع تحت أي ظرف كان, خرجت جوقة اقتصاد السوق الشهيرة باسم «الفريق الاقتصادي» لتقدم وصلتها الغنائية, حول ضرورات «رفع الدعم عن المحروقات» وجودت بالمواويل فأجادت, حتى جننت السوق وألهبت الأسعار. وكان الشدو مطرباً, فسلطن الشعب وتمايل مترنحاً مردداً: فإن كنت يوماًُ في جهنم مدخلي ففي مثل هذا اليوم طابت جهنم وكان من أعذب ألحان فريقنا الاقتصادي جداً, ما شاركته فيه الحكومة باختيار الحوار المفتوح سبيلاً لترويج قرارها برفع تدريجي للدعم يبشروننا أنه آت لا محالة, وفي حالة كهذه ليس من المهم أبدا رأي الشعب مع أو ضد, كما ليس من المهم أيضا القرار بحد ذاته, وإنما الأكثر أهمية هو رغبة الحكومة في إخضاع الجماهير الكادحة لدورة تدريبية لتلقينها دروساً لن تنسى طعمها في ممارسة الديمقراطية وإبداء الرأي. رأي الجماهير بحد ذاته مطلوب ومرغوب ويجب إطلاق سراحه, ليتمدد أرضاً معبدا الطريق أمام تمرير سلس للقرار المار حكماً. فلماذا تُفوت الفرصة ولا تُستثمر ليذوق الشعب طعم الديمقراطية؟! سواء في كتابة مقالات وبيانات عصماء ترفض القرار, أو ردود صحف الحكومة عليها بمعلقات تشرح وتوضح الضرورة الحتمية التي تدفع الأم الرؤوم لفطام جياع شعبها الذي طال استرخاؤه على حليب الندرة. فحصلنا على مشهد مسرحي «ولا في الأفلام»: كلما ازدادت حدة النقد زادت الحكومة حلماً وصبراً ولا صبر أيوب, في مسرحية ديمقراطية ملحمية, البطولة فيها للحكومة الواقعة بين صفاقين: الشعب الدلوع الغنوج الذي يستنزف حليبها في التهريب من جانب, و«تحديات اقتصاد السوق الاجتماعي» من جانب آخر. تتخللها مشاهد تراجيدية مؤثرة يشوبها هزل كوميدي رفيع المستوى, تعلن فيها الحكومة بأنها ستقوم بخطوة «جريئة وغير شعبية», فتساندها الصحف الرسمية على طريقة «عمياء تنتف حواجب مجنونة وتقول لها حواجبك سوداء مقرونة». وهنا يمتعض الشعب ويتمطمط قاطعاً تثاؤبه بنظرة اندهاش وذهول, في لحظة تاريخية تندفع فيها القوى والأحزاب السياسية والشخصيات البارزة إلى صفحات الجرائد ومواقع الانترنت لتحذر من ثورة الجياع. وفي تصعيد دراماتيكي مذهل تتخذ الحكومة القرار, ما يؤدي إلى سقوطها بقرار تغيير أو تعديل سيان... تتوقف المؤثرات الصوتية وتهدأ الحركة, فيتنحنح الشعب ويعدل جلسته قبل أن يعود لوضعية الاسترخاء التي كان عليها مهيئاً نفسه ليغط في نوم عميق, حالماً بوسائل جديدة تعوضه ما سيحرم منه, وتمكنه من البقاء حياً يسترزق على أبواب الفاسدين. وعلى الرغم من أهمية هذه المسرحية من جانب تدريب اللياقة الوطنية على تقاذف الرأي والرأي الآخر في جميع الاتجاهات المعاكسة والمواكبة, إلا أنها لن تمنع الشطار من استثمار الوقت المستقطع في التفكير, لتطيير شائعات تطيّر الأسعار, خصوصا أن السوق فتح على مصراعيه للتجار, وبات حراً متحرراً من أي ضابط, ليدفع الناس الثمن أضعاف مضاعفة, مرة ثمن «الحديث عن اتخاذ قرار» رفع الدعم, وثانية ثمن اتخاذ القرار, وثالثة في انتظار صدور التعليمات التنفيذية التي توضح القرار ولا سيما أن حكومتنا وللضرورات الدرامية مولعة بالغموض في صياغة قراراتها, ورابعة وخامسة وسادسة... إلخ ثمن طرق تنفيذ القرار... المشكلة الحقيقية أن الأثمان التي بدأ السوريون تسديدها لا تقتصر على غلاء المعيشة, والذي لم يوضح فريقنا الاقتصادي بعد كيف سيغطيها بمنح 12 ألف ليرة سورية لكل عائلة, علماً أنها لا تغطي تكلفة حشوة ضرس منخور لمواطن واحد في مستوصفات الدولة, بل هناك مشكلات اجتماعية خطيرة أهمها التي يتكلم عنها الجميع وهي عملية فرز المجتمع إلى طبقتين فقراء محرومين وأغنياء متخمين, ويضاف إليها مشكلة المشاكل وقف النزيف الاقتصادي الذي تسببه عمليات التهريب, وبقدر ما هو مطلب اقتصادي ملح, بقدر ما هو خطر قادم إذا نظرنا إلى جيوش الشباب الأميين العاطلين من العمل في المناطق الحدودية الذين يعيشون على التهريب, وللأسف هؤلاء لا دور لهم في مسرحية الحكومة, ولا وزن لهم في برامجها التنموية, ولا نعتقد أنها وضعت في حساباتها هي وفريقها الاقتصادي مصير هؤلاء إذا سدت منافذ التهريب في وجوههم, بمعنى آخر سبل «العيش» أمامهم, وأي أعمال سيمارسون وهم المتمرسون في المغامرات والقفز على القوانين, ولا نستبعد عن حكومتنا المعروفة ببراءتها أن تظن أنهم سيعودون إلى مقاعد الدراسة كالتلاميذ الشاطرين, كما سيؤمون دور العبادة طلباً للغفران عما جنته أيديهم من تعطيل للاقتصاد, وتقديم نذور الطاعة لأولياء الأمور!! لذا وكي لا يتفاجأ منظرو اقتصاد السوق الاجتماعي لاحقاً, من أن إلغاء الدعم, سيدعم ارتفاع معدلات السرقة والنهب العادي, عليهم التفكير بالتمهيد لقراراتهم بافتتاح سجون شعبية غير مكلفة تستوعب قطعان المرشحين اليوم للإيفاد غداً إلى عالم الجرائم الجنائية الصغيرة. أما الفائدة المستفادة من هذه الميلودراما غير المتفائلة, فهي الهمس في أذن أحكم حكماء الحكومة, هذا في حال وجوده: إذا لم تكن لي والزمان شرم برم فلا خير فيك والزمان ترللي

مصادر
الكفاح العربي(لبنان)