من المصالحة السياسية في العراق الى المصالحة السياسية في باكستان وربما غدا في في افغانستان.. ساحات قد يبدو للوهلة الاولى ان لا وجه شبه حقيقي بينها. ففي الساحة الاولى احتلال ومقاومة ، وفي الثانية حكم محلي ، وفي الثالثة احتلال مختلف. لكن نظرة عميقة الى الوضع تجعلنا نرى في الساحات الثلاث حالات اضطرار يلجا اليها الاميركيون ، ولكنهم يتمكنون من ادارتها بحيث يحمون بالسياسة انفسهم من الخسارة المؤكدة التي سيمنون بها عسكريا او شعبيا. فكلها مصالحات يريدها الاميركيون والاسرائيليون على نمط ما يريدونه للمصالحة الوطنية العراقية : أي التوصل الى ترضيات سياسية وحلول وسطى توقف عملية المقاومة للمشروع الاميركي ، وتسهل عليه ادارة احتلالاته المعلنة وغير المعلنة ، المباشرة والمهيمنة. غير ان لاسرائيل حسابات اخرى قد تختلف هذه المرة عن الحسابات الاميركية ، فما يساعد العم سام على الخروج بماء الوجه بعد تهدئة الغضب الشعبي ضده ، لا يعفي اسرائيل من احتمالات وجود شرائح شعبية ذات وزن معادية لوجودها من اساسه وليس فقط لامكانية التطبيع والتعاون معها. لذا فانها تخاف ان تؤدي المصالحات يوما الى وصول هذه الشرائح من جديد الى السلطة ، خاصة في دولة تمتلك السلاح النووي كباكستان ، التي ما تزال واحدة من الدول النادرة التي لم تعترف رسميا بالدولة العبرية . وهذا ما تجلى بالقلق الذي عبر عنه المسؤولون الاسرائيليون من عودة من اسمتهم بالمتطرفين الى السلطة في باكستان ، بما يعيد الى الذهن نظرية بنيامين نتنياهو منذ التسعينات حول ما كان يسميه بالسلاح النووي السني والسلاح النووي الشيعي ، علما بانه كان يشمل الاثنين ضمن قائمة الارهاب. واذا كان نتنياهو قد دعا الى تدمير المشروع الايراني قبل عام الفين كي لا يشكل خطرا على اسرائيل ، وذلك طبعا بعد القضاء على العراق ، بحسب خطته . فان احتلال العراق قد تأخر عن الخطة الاسرائيلية حتى عام 2003 ثم جاءت المقاومة العراقية بقوتها المفاجئة ، لتجعل من ضرب ايران مهمة شبه مستحيلة. وفي هذا الوقت كان الالتفاف على القوة الباكستانية اسهل بفضل الانقلاب الذي قاده برويز مشرف مدعوما من الاميركيين ، ومن ثم تعاون الحكم الباكستاني الجديد في موضوع افغانستان. غير ان مقاومة من نوع اخر قد عاكست خطط الاميركيين في الباكستان ، اذ لا يكفي القيام بانقلاب عسكري لتغيير المزاج الشعبي كله. واذا كان برويز مشرف قد نجح في تقديم خدمات لا تقدر بثمن لاسياده ، فانه وصل الى نقطة لم يعد فيها قادرا على تجاوز الشركاء الاخرين في البلد ، مما يعني اضطراره الى عقد مصالحات وتقديم تنازلات راينا بشائرها. هل يعني ذلك ان تل ابيب ستعمل في خط يتناقض مع خط واشنطن ؟ لا بالتاكيد ، لان الخط الاميركي مرسوم بايادي الانتلجنسيا اليهودية الصهيونية سواء ظل الجمهوريون في الحكم ، ام جاء اليه الديمقراطيون . وربما يكون الديمقراطيون اكثر براعة في معالجة وتدوير الحلول السياسية من الجمهوريين ، بما يتوافق تماما مع طبيعة التراتبية المطلوبة : أي الاعتماد على السياسة بعد تحقيق الاحتلال العسكري .فالمرحلتان متلازمتان متكاملتان ، ولكل منهما رجالها . تكامل لا يجعل من انفراط عقد الصقور المحيطين بجورج بوش الا مقدمة لالتئام عقد الثعالب الذين سيحيطون بالرئيس القادم . دون ان ننسى ان هذا الاخير سيكون مرتهنا لمرحلة المعركة الرئاسية التي بدات بشائرها والكل يعرف دور اللوبي اليهودي فيها وقيمة التعهدات التي تعقد من تحت الطاولة كثمن ايجار المكتب البيضاوي لمدة اربع سنوات. واقع يؤدي الى استنتاجات كثيرة ربما يكون من اهمها اثنان : الاول ان أي توجه لما يسمى مصالحة سياسية او عملية سياسية على ارض صراع مع الاميركيين لا يتم الا تحت المظلة الاسرائيلية ووفق كل المحاذير التي تضعها الاستراتيجية الصهيونية كخطوط حمراء ، مما يقتضي حذرا يفوق بكثير ذاك الذي تتطلبه المقاومة.دون ان يعني الامر رمي الطفل مع ماء الحمام . اما الثاني فهو تاكيد ان ابتكار الشرخ السني الشيعي على يد الاميركيين لم يكن الا تنفيذا متاخرا لافرازات العبقرية الصهيونية ، وذلك لتحقيق انقسام يشق العالم الاسلامي كله الى اثنين متضاربين ، بدلا من ان يكون جبهة واحدة في مواجهة المشروع الصهيوني ، وذلك بعد توسع اطار المواجهة مع اسرائيل من فلسطينية اسرائيلية الى عربية اسرائيلية فالى اسلامية اسرائيلية . فهل يدرك المسلمون ان عداء اسرائيل لهم لن يميز بين سنة وشيعة ، وان افضل خدمة لهذا العدو هي التدمير الذاتي الذي يوفر على العدو كلفة تدمير الاثنين؟