العقد المستعصية في العلاقات الإسرائيلية-الروسية

لا تنجح إسرائيل دائما في إخفاء غيظها من جمهورية روسيا الاتحادية، وريثة إمبراطوريتين مهمتين: القيصرية والسوفييتية، ورغم الاختلاف بين الاثنتين، وقيام الثانية في ثورة دموية حمراء، على أنقاض الأولى، إلا أن ما جمعهما، ادراكهما لحجم مصالحهما في الشرق الأوسط، والحفاظ على الدور الجوهري للامة الروسية خصوصا في فلسطين، وهو ما يظهر الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين تمسكا به، بإعادة إحيائه لكثير من المؤسسات الروسية العاملة في الأراضي الفلسطينية وإسرائيل. وحسب مراقبين اسرائليين فانه لا يمكن فهم ما تظهره إسرائيل من غضب تجاه روسيا، بعد انتهاء ما يطلق عليه "حرب الصيف الباردة ضد سوريا"، إلا بالمصالح المتناقضة للدولتين في الشرق الأوسط.

تسريبات وشحن اعلامي

في بداية هذا الصيف شن الإعلام الإسرائيلي، بناء على تسريبات من الأجهزة الأمنية ما اعتبر حربا مستعرة، وان كانت على الورق ضد سوريا، ونشرت هذه الصحف تسريبات عن مواقف لرئيس الموساد والشاباك والاستخبارات العسكرية وتقييماتهم لتداعيات الحرب ضد سوريا، واصبح خلال هذه الحملة، طبيعيا بان يسال الإسرائيلي العادي، إذا التقى صحافيا أو إعلاميا: متى ستشن الحرب ضد سوريا؟، متوقعا أن يجد لديه الجواب.

وخلال هذه "الحرب"، وهو أسلوب استعانت به إسرائيل، من تراث الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، التي كانت جزءا منها، وهو أسلوب ليس اقدر على روسيا من فهمه والتعامل معه، تحدثت المصادر الإسرائيلية عن تسلح الجيش السوري بالأسلحة الروسية، وذكرت نوعية هذه الأسلحة ومقارنة فعاليتها مع ما يملكه الجيش الإسرائيلي من ترسانة أسلحة، واخيرا تحدثت المصادر الإسرائيلية، عن قواعد بحرية لروسيا في ميناء اللاذقية، وهو ما اعتبرته هذه المصادر تطورا استراتيجيا، وعودة قوية للروس إلى الشرق الأوسط، التي طردوا منها، خلال الحرب الباردة، مثلما حدث في مصر، أو بسبب الانكفاء المؤقت على الذات بعد سقوط الإمبراطورية السوفييتية المدوي.

تل ابيب تلقي باللائمة على موسكو

ونقلت يومها صحيفة نيزافيسيمايا غازيتا الصادرة بموسكو عن رئيس لجنة الشؤون الخارجية في الكنيست الاسرائيلية اوتنيل شنلدير اشارته الى ان الحديث يدور عن معلومات موثوق بها تماما. ولكنه امتنع عند ذلك عن تسمية المصادر التي حصل منها على تلك المعلومات. واكد مصدر دبلوماسي بان تداعيات ستكون لتلك المعلومات في المستقبل القريب.

ولفت مراقبون الى ان وزارة الدفاع الاسرائيلية لم تسارع الى نفي ما نشر مما يعني انها تؤكد صحة نقل روسيا معلومات لسوريا بخصوص الخطط الحربية الاسرائيلية. ونُسب الى ناطق رسمي باسم جيش الدفاع الاسرائيلية ان اسرائيل " لاتخطط في الوقت الحالي لأي حرب ضد سوريا".

وفي موسكو اعرب مدير مركز التحليلات الاستراتيجية روسلان بوخوف عن استغرابه لتردد مثل هذه الانباء. ولايستبعد ان يكون عدد من العسكريين الروس ومن دون التنسيق مع القيادة العليا قد ابلغ سوريا مثل تلك المعلومات. ولايتفق بوخوف مع الراي القائل بان المعلومات نُقلت لسوريا بهدف زيادرة حجم صادرات الاسلحة. مشيرا الى ان سوريا وقعت مع روسيا على كافة الاسلحة التي هي بحاجة لها، وعلى دمشق الان الانتظار حتى عام 2012 للحصول على بعض اصناف اسلحة. ويتكهن مراقبون ان تلك الانباء ستؤدي الى بدء مرحلة برود جديدة في العلاقات بين موسكو وتل ابيب حتى استيضاح المسالة.

وبعد كل عمليات الشحن الإعلامي، والتصريحات الرسمية للوزراء الإسرائيليين عن الحرب، والأطراف المتوقع أن تشارك فيها، والأسلحة التي ستستخدم بها، والحديث عن حشودات عسكرية سورية على الحدود، وإرسال رسائل إسرائيلية مع دبلوماسيين أميركيين وغربيين إلى دمشق، هدأت فجأة الجبهة السورية-الإسرائيلية مع انتهاء الصيف، واصبح الحديث الإسرائيلي عن عودة الأمور إلى طبيعتها، وتحميل روسيا مسؤولية حرب الصيف الطويلة الباردة، التي انشدت فيها الأعصاب إلى أوسع مدى.

وبهدوئه المعهود خرج الجنرال الإسرائيلي عاموس جلعاد رئيس الدائرة السياسية في وزارة الدفاع الإسرائيلية ليقول ان الروس تصرفوا "في فترة معينة بشكل جعل السوريين يعتقدون أن إسرائيل ستشن حربا على بلدهم".

واضاف جلعاد بان "الروس كفوا عن التحريض بعد توضيحات نقلت إليهم وتفيد أن سوريا لا تعتزم مهاجمة إسرائيل، وإسرائيل لا تعتزم المبادرة بشن حرب ضد سوريا مما سمح بالتهدئة".

اركادي غايدامك..القوة الروسية الثالثة داخل اسرائيل

وينظر للتجمع اليهودي الروسي داخل إسرائيل بأنه القوة الثالثة القادمة بين حزبي كاديما والليكود، وذهب بعض المختصين في الشان الروسي، ومن بينهم مدير مركز للدراسات الإسرائيلية إلى القول في حديث لايلاف، بأنه يقدر بان الثري الروسي الأصل اركادي غايدامك يعمل بالتنسيق مع المخابرات الروسية.

ويعتبر غايدمك الذي لا يجيد العبرية بشكل جيد حصان السباق المنطلق بقوة في الحلبة السياسية والمجتمعية الإسرائيلية، حيث مكنته ثروته الطائلة من تقديم دعم لبعض المناطق والفئات، كما حدث مع مستوطنة اسديروت، التي أرسل سكانها للاستجمام إلى ايلات، خلال موجات سقوط الصواريخ الفلسطينية محلية الصنع عليها.

ويقوم غايدمك بعمليات شراء لا حصر لها في إسرائيل من نوادي كرة القدم إلى مصانع الخبز الضخمة والمنتجعات والبنوك، وكل ما هو معروض للبيع في إسرائيل، وحسب التوقعات فان غايدمك إذا خاض الانتخابات المقبلة للكنيست فسيحصل على نحو 20 مقعدا، وهو ما يعتبر مؤشرا مهما على تعاظم اللوبي الروسي في إسرائيل.

ولا يقتصر الوجود الروسي في إسرائيل، على رموز مثل غايدمك وأحزاب وجمعيات أخرى، ولكن على المافيا الروسية المتغلغلة في كل مكان، والتجمعات الروسية السكانية المؤثرة كما هو الحال في مدن أصبحت فيها هذه التجمعات تشكل ظواهر ملفتة مثل مدينة حيفا الساحلية. وإذا كانت النساء اليهوديات لا يخفين غيظهن الشديد من الروسيات الشقراوات، فان لدى سياسيي إسرائيل اكثر من ذلك ليثير حفيظتهم وخوفهم.

روسيا ..دولة داخل دولة

يعود الوجود الروسي في فلسطين إلى حقب بعيدة، حيث كانت الإمبراطورية القيصرية خلال الحكم العثماني حامية الأرثوذكس في فلسطين، وخاضت حربا استمرت ثلاثة أعوام عرفت باسم حرب القرم، لتثبيت الحقوق المكتسبة للأرثوذكس في كنيستي المهد ببيت لحم، والقيامة بالقدس.

ويعود الفضل للروس ببناء إحدى أهم المباني التي ينظر إليها في سياق التطور الحديث للقدس، خارج الأسوار العتيقة، وكان ذلك في عام 1869، واطلق عليها اسم (المسكوبية) التي خصصت للحجاج الروس، واعتبرت دولة داخل دولة، وبعد بناء المسكوبية خارج الأسوار التي كانت تغلق مع غياب الشمس، فتحت كوات في هذه الأسوار سميت الواحدة منها الخوخة ليتمكن المقدسي المتأخر من الدخول إليها إلى منزله.

وضمت المسكوبية كنائسا ونزلا وحتى محكمة، وهي الان تسيطر عليها إسرائيل، التي حولتها إلى معتقل رهيب للفلسطينيين. وشيدت روسيا في مختلف المناطق الفلسطينية منشات لها، ويقول داود مطر رئيس الجمعية الإمبراطورية الروسية لايلاف ان روسيا تملك 2% من مساحة فلسطين التاريخية.

ولدى إقامة إسرائيل في عام 1948، كان اليهود، ووفقا للأرقام الإسرائيلية الرسمية، يملكون ما يقل عن 5% فقط من مساحة فلسطين، ورغم أن الاتحاد السوفيتي، كان من أول الدول التي اعترفت بإسرائيل، وهو ما نظر له لاحقا بأنه موقف اتخذه زعيمها ستالين ولم يكن معبرا عن رأي القيادة السوفيتية، إلا أن إسرائيل بعد قيامها أبدت الكثير من العداء للاتحاد السوفيتي، وأخذت بقضم الأراضي الشاسعة في فلسطين، ونفذت اعتداءات وصلت إلى حد القتل ضد رهبان وراهبات روس، في الأديرة الروسية التي بقيت في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وهو العام الذي شهد قطع العلاقات بشكل رسمي بين الاتحاد السوفيتي وإسرائيل، التي كان من بني زعمائها مثل مناحيم بيغن من تعرضوا للاعتقال والنفي إلى سيبيريا بسبب نشاطهم الصهيوني الذي كان محظورا في الاتحاد السوفيتي.

اختراق الاستخبارات الاسرائيلية

وحقق الاتحاد السوفيتي، اختراقات استخبارية في إسرائيل تبين لاحقا أنها ذات شان، من خلال المهاجرين الروس ومن الدول الاشتراكية الأخرى إلى إسرائيل، التي شكلت وحدات خاصة داخل جهازي الشاباك والموساد لمتابعة هذا النشاط، وشكل أحيانا كثيرة، هاجسا لدى هذين الجهازين. وبدا مع سقوط الإمبراطورية السوفيتية أن كل شيء تغير فجأة، وعادت العلاقات الدبلوماسية بين تل أبيب وموسكو، إلى الوضع الطبيعي بين أي دولتين، واستقبلت إسرائيل سيلا من المهاجرين من دول الاتحاد السوفيتي، باعتبارهم يهودا، وسرعان ما تبين أن نسبة غير قليلة من بينهم هي من المسلمين والمسيحيين.

وبعد شهر العسل بين إسرائيل وروسيا، وسماح الثانية بهجرة اليهود إلى الأولى، بدأت السماء تتلبد في غيوم العلاقات بين البلدين، وفي اللقاء الأخير بين اهود اولمرت، رئيس الوزراء الإسرائيلي، والرئيس الروسي فلادمير بوتين، الذي جرى العام الماضي في موسكو، افتتح بوتين اللقاء بالسخرية من رئيس دولة إسرائيل آنذاك موسى قصاب، بسبب فضائحه الجنسية، مما شكل حرجا لاولمرت والوفد المرافق، ولكنهم اضطروا إلى التزام الصمت.

عودة الغضب الاسرائيلي

والان تعود إسرائيل لتوجيه رسائل غضب إلى روسيا، التي تمارس نشاطا ملحوظا إلى حد كبير، ومتعدد الأوجه في إسرائيل والأراضي الفلسطينية، وتطالب بأملاكها التي وضعت السلطات الإسرائيلية يدها عليها، وما أكثرها، ولم تجد إسرائيل غير تحميل الدب الروسي الذي بدا يتململ وهو يفيق من غفوته التي طالت بعد السقوط المريع، مسؤولية حرب باردة لم تندلع مع جارتها الشمالية، مما يشير إلى أنها تستعد إلى ما هو أهم لمواجهة مرتقبة، مع روسيا، وبين تل أبيب وموسكو الكثير من القضايا والعقد المستعصية التي لم تحل حتى الان، والتي بدأت كتنافس على النفوذ في الشرق الأوسط وفلسطين.

مصادر
ايلاف