منذ ان توقفت الاعمال العسكرية في الجنوب اللبناني في آب 2006 معلنة هزيمة اسرائيل في لبنان على يد المقاومة والجميع ينتظر كيف ستتجه اسرائيل بعد ان تآكلت قوتها الردعية، وهشمت وظيفتها الغربية، وزعزعت عقيدتها العسكرية، وقد اتجهت التحليلات الاستراتيجية والعسكرية في وجهتين:

- وجهة تقول بأن اسرائيل ستدرس النتائج وترمم ذاتها ثم تنطلق في حرب التعويض واعادة الاعتبار وهذا الامر يلزمه من الوقت ما لا يقتصر على شهر او سنة، ويستوجب الانفاق المالي والتدريب الشاق الذي يتطلب سنتين على الاقل الى خمس سنوات في الحد الافضل.

- وجهة تقول بأن اسرائيل لا تستطيع ان تنتظر السنوات الطوال (5 سنوات) قبل تصحيح الوضع خاصة وان المنطقة تشهد تغيرات هامة في العراق بما فيه من اخفاق اميركي وتمادٍ في حالة عدم الاستقرار السياسي والامني الذي يفتح الشأن على كل الاحتمالات وسيلزم اميركا باعادة الانتشار العسكري وسحب بعض الفرق من العراق معلنة بذلك ان عبئا ما يجب ان تعود اسرائيل الى تحمله عسكريا في الشرق الاوسط بعد التراجع ولو بشكل محدود للوجود العسكري الاميركي في العراق.

في هذه الظروف اقدمت اسرائيل على عملية جوية ضد سورية تمثلت في وصول طائرات ف 16 الى العمق في الجبهة الخلفية السورية والقاء حمولتها من ذخيرة في الصحراء بعيداً عن اي هدف عسكري او ذي طبيعة خاصة يشكل المس بها خسارة تستوجب ردة فعل فورية مناسبة.. هذه التحرش العسكري الذي تلى قرارات ومواقف عسكرية اسرائيلية اتخذت في الاسابيع الثلاثة الماضية من شأنه ان يعيد تحريك الاذهان بحثاً في الموقف الاسرائيلي الفعلي والحقيقي من حرب قد تشنها ضد سوريا خاصة او تكون ذات طابع اقليمي يشمل لبنان (حزب الله) وسوريا... وصولاً الى ايران.

بالعودة الى ما جرى في اسرائيل تستوقفنا امور يشكل اعمالها في التحليل نفيا لامكانية دخول اسرائيل في حرب جديدة في الاشهر المنظورة، ونذكر هنا بصورة خاصة استمرار تداعيات حرب تموز 2006، وعمل الجيش الاسرائيلي على ترميم البنية التنظيمية والعقائدية والتسليحية فيه... حيث تتواصل مسألة التحقيق والمعاقبة والاستقالات ودرس الثغرات التي ظهرت في الاسلحة وفي عناصر العقيدة القتالية وهنا نرى ان اسرائيل اتجهت مؤخراً الى العودة الى سلاح المشاة وايلائه الاهمية التي يستحق كونه كما يوصف في العرف العسكري بانه ملك الاسلحة او سيدها. من هنا نفهم القرار العسكري بانشاء لوائي وحدات خاصة على الاقل وترميم الالوية القائمة واعادة تأهيلها، (اي ان اسرائيل وضعت موضع التفيذ درسا من دروس حرب تموز) والاهم من هذا هو ما اعلن عن خطة خمسية لاعادة تأهيل الاسلحة في الجيش وتطويرها لتكون ملائمة للحرب القادمة التي ستكون في اهم جوانبها متمثلة بقتال العصابات غير التقليدي حيث لا يكون فيها للطيران الدور الحاسم كما اعتادت اسرائيل اعتباره في الحروب ضد الجيوش التقيلدية.

بهذا العرض المقتضب للغاية نستطيع ان نبقى على رأينا في تغليب الاتجاه الاول القائل بان اسرائيل لن تذهب بارادتها واختيارها الى حرب في المدى القريب المنظور، ولن تذهب الا بعد استكمال ما بدأت بتفيذه فعلاً على الصعيد العسكري والدفاعي المدني والسياسي أيضاً اذ لا يمكن ان نغيب حالة الاهتزاز السياسي القائمة حاليا هناك... واذا كان الامر هكذا فان السؤال الذي يطرح فوراً: ما هي الاهداف والخلفية التي حملت اسرائيل على تنفيذ اعتدائها الجوي هذا، اذا لم يكن بذاته مقدمة لحرب يبدو انها لم تتحضر لها بعد.؟

بالعودة الى الاسابيع القليلة الماضية تستوقفنا محطات عدة حملت اسرائيل على ما يبدو على اختبار جديتها وحقيقتها ويذكر في هذا المجال حاجة اسرائيلية الى:

- اختبار حقيقة امتلاك سوريا منظومة انذار ومراقبة ودفاع جوي متطورة تفوق ما كانت قد بلغته عند امتلاكها للصواريخ سام 6 التي فاجأت بها اسرائيل في حرب 73، واختبار فاعلية هذه المنظومة ونقاط القوة والضعف فيها لاتقاء مخاطرها ان وجدت.

- اختبار ردة الفعل الميدانية العسكرية السورية خاصة القدرة والوقت اللازم للانتقال من حالة عادية او حذر الى حالة الجهوز للمواجهة والقتال، ويكون ذلك عبر الاستفزاز الجوي الذي يصاحب بمراقبة الاقمار الصناعية لكامل مساحة الميدان السوري.

- اختبار جدية القيادة السورية في مواقفها الاخيرة التي تمثلت بعرض السلام لكن مع الضمانات الكفيلة بالوصول اليه واستعادة الحقوق عبر المفاوضات، او الذهاب الى القتال بوجوهه كلها بما في ذلك المقاومة التي اخترت جدواها في لبنان.

- اختبار ردة الفعل الروسية، خاصة بعد ما روّج من تطوير للعلاقات العسكرية السورية الروسية، التي قد تذهب بعيداً كما قيل من قبل الإعلام الغربي الى حد اقامة القواعد الروسية البحرية على الشاطئ السوري في طرطوس وغيرها...

وجاءت عملية التحرش الاستطلاعي لتلبي هذه الحاجة الاسرائيلية، اذ ان العمل الاستخباري لم يشفِ غليل الطلب والحاجة تلك.

اذا كان هذا هو القصد، فاننا نعتبر بان نتيجة الاختبار جاءت بشكل يسجل لصالح القيادة السورية في جوانب عدة، اهمها اكتفاء سوريا باستعمال المنظومة القديمة للدفاع الجوي وظهور يقظة هذه المنظومة ما اجبر الطيران الاسرائيلي على التخفيف من حمولته للاسراع في الخروج من المجال الجوي السوري، فلم يكشف النظام الجديد اذا كان قائماً، كما كانت ردة الفعل السياسية السورية هامة في وجهين اثنين الاول مبادرة سوريا الى الاعلان عن الانتهاك رغم التكتم الاسرائيلي بعد النفي للعملية، والثاني اللهجة العالية للقيادة السورية التي احتفظت فيها بحق الرد في المكان والتوقيت المناسبين وهذا اسلوب يعتمده القوي القادر على الرد، في حين ان الاكتفاء بالشكوى الى مجلس الامن من غير تلويح بالمعاملة بالمثل ميدانياً قد يعتبر ضعفاً يغري بالاعتداء. ويبقى رد الفعل الروسي في منطقة وسط بين القوة لمصلحة سوريا والطمأنينة لمصلحة اسرائيل. هذا في الاختبارات التي شاءتها اسرائيل من استطلاعها الجوي التحرش، ويمكن ان يتسع المجال ليشمل القول بقصد اسرائيلي للتدريب على الطيران واستكشاف المسارب الجوية الى ايران ليكون طياروها جاهزين فيما لو طلب اليهم الاشتراك في حرب او عملية عسكرية ضد ايران ويضطرون الى تفادي المجالات الجوية العربية غير السورية والعراقية...

اما في مجال الرسائل فاننا نرى بأن اسرائيل شاءت من عمليتها "التحرش الاستطلاعي" توجيه رسائل متعددة المضامين والوجهات يمكن ذكر الاهم منها كما يلي:

- رسالة الى الداخل السوري، بان اسرائيل التي اتخذت ما يلزم من تدابير خفض التوتر والقول بعدم رغبتها الان بالحرب، لن تكون مسترخية في المراقبة والاستطلاع ووضع كل تطور عسكري سوري تحت المراقبة والدرس، فعدم جهوزية الحرب لا تعني انعدام جهوزية المراقبة.

- رسالة الى القيادة السورية، بان اسرائيل التي تعمل على ترميم بنيتها العسكرية وقدراتها الردعية ستكون جاهزة للتدخل في مواجهة اي استغلال سوري للتبدل العسكري الذي تشارف اميركا على احداثه في العراق، بمعنى ان العراق لن يكون بعيدا عن القبضة الاسرائيلية اذا انكفأت اميركا بعض الشيء عسكرياً عنه، وتكون الرسالة بمثابة تحذير لسوريا من ادائها على الاتجاه العراقي.

- رسالة الى الداخل الاسرائيلي تتمثل بمضمون تطميني، خاصة وان هناك رئيس دولة ووزير دفاع جديدين ينتقدان سياسة الاهمال والاسترخاء السابقة التي جعلت الجيش الاسرائيلي عرضة للمفاجآت في حرب تموز الى الحد الذي اسميت فيه الحرب كلها "بحرب المفاجآت" التي قادته الى الهزيمة، ويكون القصد هنا القول ان عهد الاسترخاء ولى وحلت اليقظة الدائمة مكانه.... لكن نفي القيادة الاسرائيلية ثم تكتمها عن هذه العملية اضعف بعض الشيء من فعالية هذه الرسالة، وردة الفعل السوري كانت هي الاخرى مساهمة في عدم اعطاء الرسالتين الاولين كامل المفاعيل...

ان عملية التحرش الاستطلاعي الاسرائيلي باتجاه سوريا، هي عملية عسكرية نفذت لاهداف اسرائيلية محددة وحملت رسائل تستنتج من مجريات الامور، وتبقى برأينا في هذا الاطار الدلالات الاخرى التي تكون، دون مستوى تطور النظرة اليها الى الحد الذي يجعلها مقدمة لعملية عسكرية واسعة اوحرب شاملة... فامر الحرب في الشرق الاوسط في الاشهر المقبلة لا زال برأينا بعيداً... ولكن الكل يتحضر والكل يستعد لها... اما التوقيت فيبقى بعيدا نسبياً كما هو ظاهر من مجريات الامور... وهوسيكون ؟! اما مؤتمر بوش حول الشرق الاوسط فيبقى مجرد دعوة لفنجان قهوة وتسامر بين حلفاء اميركا (استبعدت عنه سوريا) وهو لن يحل شيئا من اساسيات المسألة لان الحل لن يكون الا بعد ان يجهز الجميع للحرب ويعتقد كل طرف بان الحرب ستوفر له ما يريد فيذهب إليها، او يقتنع بان خصمه قد ينتزع منه بالحرب ما يريد... فيقبل بسلام طاولة التفاوض...

مصادر
النهار (لبنان)