نشرت جريدة الثورة في الأسبوع الماضي مقالا بعنوان "سندباد الصناعة يسجل رقما قياسيا عالميا" 29/8/2007، يبيّن فيه الصحفي قاسم البردي إخفاق ادعاء الحكومة بالإصلاح الإداري، وأن الفساد الإداري مازال على حاله وعلى أعلى المستويات، وذلك من خلال ضبطه لعمل السيد فؤاد شكري كردي، مدير عام هيئة الموصفات والمقاييس العربية السورية. حيث أورد الصحفي أن إجمالي أيام عمل السيد المدير العام خلال عشرة أشهر لم يتجاوز خمسين يوما، وقد قام خلالها باثني عشر إيفادا خارجيا. وقد اعتبر الصحفي أن بعضها ليس مقنعا، وأرفق مقاله بصورة عن أربع قرارات إيفاد من السيد رئيس مجلس الوزراء، ثلاثة منها مبنية على اقتراح وزير الصناعة وواحد اقترحه نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية.

وبعد ثلاثة أيام، في 2/9/2007، نشرت الثورة رد السيد فؤاد كردي، الذي جاء متعاليا فلم يعتمد فيه أي رقم أو أية وثيقة تفيد القارئ؛ بل حاول التأكيد على أن تلك الإيفادات "لا تتم بناء على رغبة المدير العام بل هي جزء من واجباته لتمثيل الوطن". مع أننا نذكر جميعا أن عبد الحليم خدام كان قد أحال منبع ثروته وثروة أبنائه، في معرض رده على اتهامه بالفساد، إلى التعويضات وبدلات المهمات التي كان يتقاضاها عن سفراته "لتمثيل الوطن". وبغض النظر عن صدق دوافع الصحفي النشط، التي يشكك فيها السيد المدير العام على طول رده، فإن كلام السيد المدير يعكس اهتراء ثقافة الدولة والمؤسسات عند المسؤولين الحكوميين. فبعد أن تكرَّس انفلات الأداء الحكومي عن أي رقيب أو مُسائل، اعتبر الحكوميون أنه مجرد كونهم حكوميين هو دليل على أنهم غيارى على مصالح الوطن، وأن ذلك كفيل بإثبات أن لديهم من الطهارة ما ينجيهم من رجس انتقاداتنا، وليس لأن أعمالهم تثبت ادعاءاتهم الوطنية.

وقد لفتني في رد المدير العام في إطار تفنيده الواهي لمقالة الصحفي عبارة ذات دلالة بليغة، حيث يقول: "من المستغرب أن يعتبر كاتب المقال نفسه مؤهلا لتحديد نوعية الإيفادات الخارجية التي يمكن للمدير العام أن يحضرها، متناسيا أن مثل هذه المهمة هي من اختصاص الوزارات المختصة ورئاسة مجلس الوزراء, وليست من اختصاصه…". ونعلم أن هذا المنطق الذي يبني عليه السيد المدير العام المذكور ليس من ابتكاره، بل هو المنطق الذي يحكم فهم الحكومة السورية وفهم الكثير من المسؤولين. وتقوم العبارة على نقطتين: الأولى مفادها أن الحكومة ورئاستها حرة بما تفعله، لكون العمل الحكومي من صلاحياتها دون سواها، وهي أدرى بما تفعله؛ والثانية، لها من الخطورة ما تضاهي سابقتها: أن دور الصحافة يجب أن يبقى ضمن حدود مهامها، وألا تتطاول على العمل الحكومي ومهامه، وتتجرأ على تقييمه واتهامه. إذ أن منطق السيد المدير العام، ومن خلفه جميع الهيئات الحكومة، يعتبر أن دور الصحافة يقتصر على الدفاع عن الحكومة في مواجهة الدولة والشعب الشكاك بعملها الوطني الصرف، وليس العكس، وأن دور الصحفي يجب أن يقتصر على سؤال المسؤولين عن انجازاتهم "الوطنية" ولا يتعداها حتى إلى تحليل "منجزاتهم" أو ارتكاباتهم.

هذا التصور يؤكد بشكل جلي على غياب فهم الدولة والعمل المؤسساتي. فالصحافة الحرة القادرة على تقييم العمل الحكومي دليل على تعافي الدولة وعلى نضج عملها المؤسساتي. فسلطة الصحافة ليست كلمة فارغة المضمون، بل سلطة حقيقية يمكنها أن تكون فاعلة بقدر ما تمتلكه من الحرية. وهذه السلطة التي اكتسبتها الصحافة (بالعموم وليس عندنا) نابعة ليس من قدرة الصحفي أو المؤسسة الصحفية على إصدار قرارات ملزمة للآخرين كما الحكومة أو مجلس الشعب أو القضاء، الذين يسبقونها في الترتيب السلطوي، بل نابعة من كون الصحافة، من ناحية أولى، هي أهم صانع للرأي العام، الذي يُفترض أن يكون قادرا على وضع المسؤولين، بما فيهم من مقام السيد المدير العام، أمام المساءلة والمحاسبة، ومن بينها المساءلة الصحفية. وهذا لمقدرة الصحافة والصحفيين، من ناحية أخرى، على امتلاك المعرفة بالشؤون الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أكثر من كثير ممن في مواقع المسؤولية. مما يخول الصحفي المتمكن من موضوعه ومادته من تقييم أي أداء ولأي مسؤول حكومي. وبالتالي فإن صحفيا كهذا يحق له تقدير حاجة الوطن لمثل إيفادات السيد مدير عام هيئة الموصفات والمقاييس العربية السورية، أو أقلّه، وبحكم واجبه، عليه إطلاع الرأي العام على شكوكه بجدوى مثل هذه الإيفادات، وبجدية من يقوم بها على خدمة موقعه والمهام الموكلة إليه؛ في مقابل أن تتيح الصحافة للجهة المشكوك بأدائها حق الرد وتبيان الصورة من زاوية نظرها.

بعد ذلك سيكون لنا نحن القراء، وجميع من في دائرة الرأي العام، أن نحكم بين المقال الاتهامي وبين المقال الردي، ليس من منطلق الترف التحكيمي، بل من منطلق سعينا لحماية مصالحنا العامة ومحاسبة من يخل بما ائتمناه عليها، أو إكرام من حماها وداراها.