كائنا ما كان التحليل لقسمات وجه ذوي العِلم والمشورة إبان ردهم علي الادعاءات السورية (الصحيحة أو غير الصحيحة) في قضية الطلعات الجوية الاسرائيلية في الأجواء السورية ـ الواقع الاقليمي لم يتغير: التحالف السوري ـ الايراني بقي علي حاله وربما أصبح أكثر قوة، مصالح دمشق في لبنان قوية كما كانت دائما؛ تأثير سورية علي فصائل الرفض الفلسطينية ما زال ساري المفعول، الجولان ما زال جرحا نازفا. كل عملية عسكرية ضد سورية ـ سيتقرر شنها في المستقبل ـ يمكنها في أحسن الاحوال المس بقدرات دمشق العسكرية وربما تأجيل خطر الحرب الفوري في الشمال، اذا كان مثل هذا الخطر لمستقبل أبعد بقليل. حرب لبنان الثانية كان يجب ان تُعلمنا بأن نجاح العملية العسكرية ضد التحالف السني ـ الشيعي المتطرف لا يُقاس بكمية قواعد الصواريخ التي أبادها طيارونا المتفوقون وفي عدد مقاتلي العدو المقتولين. فالحرب الفاشلة بالتحديد من حيث العمليات العسكرية علي الجبهة ومعالجة قضايا الجبهة الداخلية ظهرت كانجاز سياسي اقليمي. الخوف من أن يؤدي انجاز حزب الله الي تعميق سيطرة ايران والتنظيمات التي تتمتع بدعمها عزز صفوف الائتلاف العلماني ـ البراغماتي في الشرق الاوسط. الجهود الساعية لدفع مبادرة السلام هي رد الجامعة العربية علي مساعي ايران لتعميق تأثيرها في العراق ومصر والاردن ولبنان وقطاع غزة. سورية ترقص في العُرسين. احدي يديها ممدودة لمخازن الاسلحة الايرانية لاستكمال النواقص بعد ذلك من خلال الاسلحة الروسية، ومن ثم ارسال الفائض الي حزب الله. أما اليد الثانية فهي تصوت مع قرارات الجامعة العربية التي تعرض السلام والتطبيع علي اسرائيل مقابل الاراضي المحتلة. بشار الأسد يطلب في الوقت الذي يفرش فيه البساط الاحمر أمام محمود احمدي نجاد، من تركيا بأن تقنع اسرائيل بالتفاوض معه حول التسوية السلمية. سورية تتوقع من جهة وساطة واشنطن بين دمشق والقدس، ومن الجهة الاخري تحولت الي محطة عبور يمر بها المخربون الانتحاريون الي العراق. مقالة ظهرت يوم السبت في صحيفة تشرين الرسمية السورية تشير الي أنه رغم ان سورية تعمل خلافا للاجماع العربي إلا أنها تتوقع الاستمتاع بثماره. المحرر عصام داري اتهم الدول العربية لانها صمتت علي العملية الجوية في الأجواء السورية. هذا الصمت يشير الي ان سورية معزولة ليس فقط علي المستوي الدولي وانما في العالم العربي ايضا . من الجدير باسرائيل أن تنتبه لهذه الكلمات: طالما كانت سورية تكافح من اجل مكانتها في وسط الاجماع العربي، ستبقي هناك احتمالية لابعادها عن الهوامش المتطرفة ومنع اندلاع الحرب بين اسرائيل والجبهة الايرانية. لذلك يعتبر السؤال الأهم بالنسبة لاسرائيل هو ماذا سيحدث للاجماع العربي في الاشهر القريبة. مثلما حدث في القمة العربية السابقة في شهر آذار (مارس) في الرياض يتوقع في هذه القمة ايضا، المزمع عقدها في دمشق في آذار (مارس) 2008، تبلور الاجماع العربي حول المسألة الفلسطينية. هذا سيحدث بعد مؤتمر السلام الذي يفترض أن يعرض اتفاق مباديء يحدد مسارا لانهاء الاحتلال الاسرائيلي في المناطق وفقا لمباديء مبادرة السلام العربية. اذا نجح هذا المؤتمر فستضطر سورية الي حسم أمرها واختيار واحد من العُرسين اللذين ترقص فيهما. في المقابل اذا ذهبت هذه العملية هباء واشتعلت المناطق فسيكون هذا الوضع الأمثل بالنسبة لسورية للمجابهة العسكرية. وفقا للجهات العليمة في اسرائيل يوجد لدي سورية صبر حتي بداية 2009. الأسد يُعول علي قيام الادارة الديمقراطية في البيت الابيض برفع المقاطعة عن سورية واقناع اسرائيل باستئناف المفاوضات. سورية ستستكمل في هذه الاثناء تزودها بالسلاح، ومن المحتمل أن تستكمل ايران برنامجها النووي. في المقابل لن تتمكن اسرائيل من تطوير وسائل مضادة للصواريخ كما يطالب وزير الدفاع. تلك الأطراف تعتقد بأن النظام العلوي في دمشق ليس معنيا بالتحول الي تابع لايران في حربها حول الزعامة في المنطقة. علي أية حال قبل الدخول في الحرب يتوجب استنفاد كافة الوسائل لمنع حدوثها، وخصوصا ان اية عملية او حتي اي انتصار عسكري، لا تشكل بديلا عن التسوية السياسية.

مصادر
هآرتس (الدولة العبرية)