حين وقفنا نحن مجموعة من العراقيين العائدين من الحدود السورية الى دمشق في تلك المنطقة الصحراوية الجرداء بعيد نقطة التفتيش الاخيرة في الحدود السورية نلتمس الحصول على وسيلة نقل تعيدنا الى دمشق , اخذنا بالتعجب من المقادير التي قادتنا للوقوف في ذلك المكان الموحش الخالي من اي وجود بشري سوى المسافرين العراقيين وموظفي الحدود و سائقي السيارات وهو الامر الذي لم يكن ليخطر لنا ببال من قبل , كان بعضنا قادما من العراق اما الاخرون فقدموا من داخل الاراضي السورية لغرض تجديد اقاماتهم عن طريق ما يعرف ب " التخريج " وذلك ربما للمرة الاخيرة قبيل فرض تاشيرة الدخول للعراقيين الذين يرومون دخول الاراضي السورية اعتبارا من 10/9/2007 كما اعلنت ذلك السلطات السورية , وهذا هو السبب الذي ادى الى زيادة الزخم على الحدود في الايام التي سبقت هذا التاريخ , فقد اندفعت اعداد كبيرة من العراقيين الموجودين في سورية نحو الحدود لغرض تجديد اقاماتهم , كما قدمت اعداد اخرى من العراق وبخاصة من لديهم اعمال في سورية , فقد اصبحت سورية في السنين للاخيرة المتنفس الوحيد للعراقيين , فمن يروم العلاج يتجه نحو المستشفيات السورية حاصة بعدما ادى الندهور الامني في العراق الى انهيار النظام الصحي العراقي الذي كان واحدا من افضل الانظمة في المنطقة , وبعدما هاجر معظم الاطباء العراقيين المعروفين بكفاءتهم حارج العراق خوفا من القتل او الاختطاف . كما ان هناك اعداد اخرى من العراقيين تاتي الى سورية لغرض التجارة حيث ارتفع التبادل التجاري بين البلدين ليبلغ ثمانية مليارات دولار , وهناك من ياتي لغرض الدراسة والتعلم في الجامعات السورية او لغرض السياحة , كما ان سورية تحولت قي الفترة الاخيرة الى محطة ترانزيت لمن يروم من العراقيين السفر الى دول الخليج او مصر او عيرها من البلدان . وبالاضافة الى هذا كله هناك الغالبية من العراقيين ممن جاؤوا الى سورية هربا من التدهور الامني في العراق ومن العنف والاقتتال الطائفي , وتقدر اعدادهم بين مليون ونصف الى مليوني شخص , ومثل هذه الاعداد الضخمة تشكل بلا ريب ضغطا على الاقتصاد السوري ما ادى الى ارتفاع اسعار السلع والخدمات وزيادة الطلب على الوقود والكهرباء , الامر الذي اثقل كاهل المواطن السوري , وان كانت الاموال التي ضخها العراقيون في الاقتصاد السوري من جانب اخر قد ادت الى زيادة نمو هذا الاقتصاد .

السلطات السورية من جانبها كانت متفهمة للظرف العراقي العصيب وتعاملت مع الموقف بروح من الانسانية والاخوة العربية , فكانت تسمح للعراقيين بدخول اراضيها بدون تاشيرة دخول وتمنحهم اقامة لمدة ثلاثة اشهر مددت فيما بعد الى اربعة اشهر , وبعد انتهاء هذه المدة كان على المواطن العراقي ان يجدد اقامته عن طريق الخروج من الاراضي السورية ثم العودة اليها ولو في نفس اليوم ليمنح بعدها فترة اقامة جديدة وهي العملية الني تعرف ب"التخريج" .

الاثرياء من العراقيين يفضلون الاشتراك في رحلة سياحية الى لبنان لمدة ثلاثة ايام واربعة ليال مقابل مبلغ مئة دولار للشخص الواحد وبذلك يضربون عصفورين بحجر , يجددون اقامتهم ويقومون برحلة استجمام في ربوع لبنان من جهة اخرى . اما الاقل تمكنا فيقومون بالسفر عن طريق الباص الى الحدود السورية العراقية في نقطة التنف مقابل 500 ليرة سورية للشخص الواحد ذهابا وايابا ارتفعت في الاونة الاخيرة الى 750 ليرة سورية نتيجة للزخم على الحدود وهي الرحلة التي يسميها البعض " رحلة العذاب " .

فالمسافة الطويلة من دمشق الى الحدود العراقية تشكل ارهاقا للمسافر وخاصة الاطفال والنساء وكبار السن والزحام الشديد في الحدود يؤدي الى تأخير هذه العملية التي قد تستغرق 24 ساعة في حرارة الصيف او في برودة الشتاء , في ظل انعدام وجود الخدمات اللازمة للمسافرين او بدائيتها ان وجدت , كما ان البعض من ضعاف النفوس من موظفي الحدود يحاولون استغلال حالة الزحام لمطالبة المسافرين بدفع الرشى والاكراميات لهم , وللامانة فان الجانب السوري يشدد على هذه الناحية ويعاقب بشدة كل من يطلب رشوة من مسافر ولكن هذا لايمنع وجود بعض المتصيدين في الماء العكر الذين يطالبون المسافر بدفع الاكرامية بصراحة عند انجاز جوازه , او يطلبون مبالغ مالية مقابل تسريع انجاز المعاملة , وللاسف فان الكثيرين من المسافرين يشجعون هؤلاء النفر من خلال الاستجابة لمطالبهم غير المشروعة خوفا من عرقلة انجاز معاملاتهم , او رغبة في سرعة انجازها والتخلص من الزحام والانتظار الطويل .

اما في الجانب العراقي فان الفساد على قدم وساق , والموظفون ياخذون الرشوة بصراحة وعلنية ويفرضون على المسافرين مبالغ مالية غير شرعية مقابل انجاز معاملاتهم .

وقد اضيفت مؤخرا عقبة اخرى , فبعض اصحاب الباصات اصبحوا يكتفون بايصال المسافرين الى الحدود السورية , ويتركونهم ليتدبروا امر الوصول الى الحدود العراقية , اما بسبب الزحام الشديد في الحدود العراقية حيث تستغرق عملية العبور الى الحدود العراقية عدة ساعات للباصات وعدة ايام بالنسبة لسيارات الشحن , او لان اصحاب الباصات لايرغبون بدفع الرسوم المترتبة على عبور الحدود , رغم انهم قد استلموا اجورهم كاملة من المسافرين , ويبقى على المواطنين العراقيين تدبر امر الوصول من الحدود السورية الى الحدود العراقية اللتين تفصلهما مسافة تقدر بستة كيلومترات , اما عن طريق مشي هذه المسافة , او بالتعلق باحد سيارات الشحن , لتتحول هذه الرحلة الى مغامرة حقيقية .

وحين يصل المسافر الى الجانب العراقي من الحدود فان هناك الكثير مما يثير الشجون ويحرك العواطف حين يجد العراقي نفسه على تراب بلده الذي غاب عنه طويلا غيبة اجبارية , او حين يرى العلم العراقي مرفرفا على الابنية الحكومية , كما ان الالم يعتصر القلوب وهو يرى الجنود الامريكان يفتشون المسافرين ويتاكدون من الهويات كانهم يريدون تذكير كل من يدخل العراق بحالة الاحتلال التي يخضع لها هذا البلد , ومن الطريف ان بعض المواطنين العراقيين يبدون كانهم فقدوا الاحساس بالاتجاهات , فمنفذ الدخول الى العراق اصبح منفذ الخروج من سورية , ومنفذ الخروج من العراق اصبح منفذ الدخول الى سورية , وهكذا اختلطت مفاهيم الدخول والخروج , والخارج والداخل

ولاعجب في زمن اختلطت فيه الاوراق والمفاهيم , وضاعت فيه الحدود والفواصل .

ورغم كل هذه المشقات كان المواطنون العراقيون يتمنون بقاء هذا الوضع على ما هو عليه , وقد اصيب العراقيون المقيمون في سورية قبل ايام بخيبة امل كبيرة حين اعلن مكتب رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي ان الجانب السوري قد الغى نظام تاشيرات الدخول , فعم الفرح والارتياح اوساط اللاجئين العراقيين , ولكن هذا الفرح سرعان ما تحول الى خيبة امل حين تبين عدم صحة هذا الخبر بعدما اكدت السلطات السورية بقاء نظام تاشيرات الدخول .