لا تزال الصحافة الإسرائيلية تتلقف كل ما ينشر في نظيرتها الأجنبية بشأن العدوان الذي نفذته المقاتلات الإسرائيلية ضد سوريا. صحيفة «يديعوت أحرونوت» استعادت ما نشر في مصادر أجنبية عديدة منذ أشهر لترسم منه صورة فيها أكثر من تلميح إلى ماهية الهدف السوري الذي هوجم

بعد أسبوع ونصف من تلك الغارة الجوية الغامضة التي قامت بها طائرات سلاح الجو على سوريا، بدأت قمة جبل الجليد تظهر رويداً رويداً. معلومة تتلوها معلومة، وخبر يتلوه آخر ورواية تلحق بأخرى، وجمع كل هذه المعلومات معاً يكشف عن حكاية مثيرة سياسياً وعسكرياً. وفقاً للتقارير الأجنبية، بدأت القضية قبل ستة أشهر، بين آذار ونيسان تقريباً. وُضعت على طاولة رئيس مجلس الأمن القومي الأميركي، ستيفن هادلي، حينئذ معلومات دراماتيكية أشارت إلى التعاون بين كوريا الشمالية وسوريا. هل كان هذا الموعد الذي كشفت فيه وكالات الاستخبارات الغربية المؤامرة الكورية الشمالية ـــــ السورية؟ ليس واضحاً. على أية حال، الإدارة الأميركية في الصورة منذ نصف سنة. المعلومات عن التعاون الكوري السوري صرح بها هذا الأسبوع آندرو سيميل، المسؤول الرفيع في وزارة الخارجية الأميركية والمسؤول عن منع انتشار السلاح النووي. قال سيميل إن سوريا موجودة ضمن شبكة المراقبة الأميركية الخاصة بالأسلحة النووية وأن دمشق أجرت اتصالات مع مزودين سريين للتجهيزات النووية وأن فنيين كوريين شماليين قد أُرسلوا إلى سوريا وهم يعملون فيها. المارد خرج من القمقم. المؤامرة الإيرانية ـــــ الكورية ـــــ السورية كُشفت. كما كُشفت حقيقة وجود نشاط سري مريب في المجال النووي على الأراضي السورية. مع الحصول على هذه المعلومات الحساسة، قرر هادلي فرض سرية مطلقة على هذه المؤامرة الكورية ـــــ السورية. المعلومات لا تنشر في القنوات الاستخبارية العادية، وهي قليلة أصلاً. ومن توجد له علاقة ومعرفة بالتفاصيل يعرف أن الاسم الذي أُطلق في واشنطن على الملف الجديد هو «بستان».

تعتيم متفق عليه؟

دبابتان إسرائيليتان في الجولان المحتلّ أمس (عاطف صفدي ـــ إي بي آي)في شهري آذار ونيسان، مع بدء هادلي إيلاء الاهتمام للعلاقة الكورية ـــــ السورية، بدأت تنشر في إسرائيل تقارير مقلقة عن التسخين العسكري المحتمل بين إسرائيل وسوريا. قبل ذلك بأسابيع، في السابع عشر من شباط، تسلم رئيس هيئة أركان جديد في إسرائيل منصبه، ومنذ تلك اللحظة بدأ بإعداد الجيش للحرب، مُركزاً على الحرب في الشمال. كان من الصعب أن نفهم، مع كل التوضيحات السياسية، كيف ولد فجأة تهديد سوري ملموس بإمكان اندلاع الحرب. وسائل الإعلام الإسرائيلية والسورية اقتبست مرة تلو الأخرى تصريحات المسؤولين من الجانبين، وهم يتحدثون عن الحرب في الصيف. لماذا الحرب ولماذا في الصيف؟ لم يكن الجواب على ذلك واضحاً. تحدثت وسائل الإعلام عن تسلح سوري غير عادي بأحجام غير مسبوقة بالسلاح التقليدي. وكان من المحتمل أن يكون السوريون مشغولين في تلك الاثناء بفتح أفق آخر للوصول إلى توازن رعب مع إسرائيل: الأفق النووي. هل عرفت إسرائيل بذلك منذ ذلك الحين؟ وهل نبع ذلك التوتر غير المفهوم من ذلك؟ ليس هناك جواب عن هذه الأسئلة في الوقت الحالي. مع اقتراب شهر حزيران، أخذ التوتر بين البلدين بالازدياد. الجيش ضغط على المستوى السياسي لحسم قضية الشروع في المفاوضات مع سوريا. «إذا لم تبدأ المفاوضات فستزداد خطورة نشوب الحرب في الشمال في هذا الصيف». هذا كان تقدير الجيش. وفي منتصف حزيران توجه أولمرت للقاء بوش، وبعدها أفادت التقارير الصحافية الإسرائيلية، في أواسط آب، بأن المجلس الوزاري المصغر انعقد ست مرات للتداول بسيناريوات مختلفة للمواجهة المحتملة مع سوريا. في ذلك الوقت، زار أولمرت ووزير الدفاع باراك هضبة الجولان. كان باراك، الذي عُين قبل شهر من ذلك في هذا المنصب، غارقاً حتى رأسه في تلك المرحلة في القضية السورية. في موازاة التقارير المكثفة، تعالت في إسرائيل أصوات جوقة التهدئة. نائب رئيس هيئة الأركان صرح بأن الأزمة مع سوريا تتراجع، وكرر القول من بعده وزير الدفاع. أما أولمرت نفسه فقد صرح بأنه يرسل للسوريين كل الوقت رسائل مطمئنة. إذا كان الأمر كذلك فلا غرابة في أن وزير الخارجية السوري وليد المعلم «اشتكى» الأسبوع الماضي من أن أولمرت «قد خدعنا». على حد قول المعلم، قبل يوم من إطلاق الطائرات الإسرائيلية قذائفها على الأراضي السورية، أرسل أولمرت رسالة دبلوماسية مطمئنة لسوريا. هل توجد أية علاقة بين رسائل التهدئة الإسرائيلية وتلك الغارة الغامضة التي قامت بها طائرات مجهولة؟ وفقاً لإحدى الروايات الأجنبية، كانت إسرائيل خلال الفترة التي أُرسلت فيها رسائل التهدئة تقوم بجولات جوية فوق موقع الهجوم المزمع في الأراضي السورية ونفذت طلعات استطلاعية. ادُعي أيضاً في إحدى الصحف الأميركية أن إسرائيل أرسلت للولايات المتحدة في تلك الفترة صوراً عبر الأقمار الاصطناعية، لا مجرد صور عادية.

خطر واضح ومباشر

في مطلع هذا العام، عُقد لقاء مثير جداً في مدينة شاين يانغ في كوريا الشمالية على الحدود الصينية. حضر اللقاء، الذي عُقد في مدينة نائية بعيداً عن الأعين، علماء نوويون كوريون وخبراء إيرانيون. الوفدان الرفيعا المستوى بلورا اتفاقاً يُمكّن إيران من الحصول على المعلومات النووية من كوريا الشمالية. كان المقصود إنهاء هذه الصفقة قبل دخول الاتفاق الكوري ـــــ الإيراني حيز التنفيذ. في هذه الأيام، تُجري كوريا الشمالية مداولات في نزع سلاحها النووي مع خمس دول: أميركا وروسيا والصين واليابان وكوريا الجنوبية. المذكرة التي يُعمل على صياغتها في الأشهر الأخيرة لا تتضمن حظراً على نقل المعلومات والعتاد النووي من كوريا الشمالية إلى دول أخرى. الإيرانيون استغلوا هذه الثغرة وسارعوا بالتوجه إلى كوريا الشمالية لجمع ما بقي من الغنائم. هناك منظومة علاقات قوية جداً في مجال الصواريخ بين إيران وسوريا وكوريا الشمالية، وهي مستمرة منذ عقدين. العلماء الكوريون الشماليون والوفود الكورية الرفيعة المستوى التي تتجول في إيران وفي سوريا ليست بالمشهد النادر. منذ التسعينيات، حاول الكوريون الشماليون تهريب الصواريخ إلى سوريا. بعضها ضبطته السفن الأميركية وغيرها. في مرحلة معينة، بنى الكوريون خطوط إنتاج للصواريخ في سوريا وفي إيران بدلاً من التهريب. إذا صحت التقارير عن الصفقة النووية السورية ـــــ الكورية، فمن المرجح جداً أن يكون نموذج الاتصال الإيراني ـــــ الكوري مطبق أيضاً مع سوريا. لكن هذه الصلة لم تتكشف حتى الآن، إذ لا تكفي شحنة بلوتونيوم كورية لإيران أو لأية دولة أخرى لبرهنة ذلك على أية حال. يجب أن تتم أيضاً عملية تصنيع البلوتونيوم في مصنع للفصل. السوريون يمتلكون مفاعلاً نووياً بحثياً صغيراً كان الروس قد أعطوه لهم قبل سنوات، وهو موجود في منطقة معزولة تدعى دير الحجر في صحراء شرق سوريا بعيداً عن الحدود الإسرائيلية.

زراعي أم نووي؟

هل يمكن أن يكون السوريون أيضاً قد راكموا معلومات وخبرة للتعامل مع الذرة بما يتجاوز الجانب البحثي؟ ليس معلوماً. في هذه الأثناء، أفادت التقارير في نهاية الأسبوع بأن سوريا وكوريا الشمالية تتعاونان في الأشهر الستة الأخيرة على بناء منشأة نووية مشتركة لإنتاج المواد المطلوبة للسلاح النووي. خبير أميركي في شؤون الشرق الأوسط أفاد بأن إسرائيل هاجمت «مركزاً للأبحاث الزراعية»، لكن إسرائيل اعتقدت، على حد قوله، أن هذا المركز يضم أنشطة لإنتاج اليورانيوم. كما كشف ذلك الخبير أن شحنة قد وصلت من كوريا الشمالية إلى طرطوس في الثالث من أيلول. وتفترض إسرائيل، على حد قوله، أن هذه الشحنة تحتوي على عتاد نووي، لذلك قامت طائراتها بعد ثلاثة أيام، ليلة الأربعاء ـــــ الخميس، بعملية عسكرية في سوريا. توقيت الهجمة الإسرائيلية ارتبط مباشرة بوصول السفينة. «هذه هجمة سرية جداً»، ادعى الخبير، «وقد حصل الطيارون على الأهداف عندما كانوا في الجو فقط». التقارير عن الهجوم نفسه غريبة وغامضة. الصحف العربية والناطقون السوريون تحدثوا عن طلعة في شمال سوريا على الحدود التركية. بحسب هذا الوصف، تكون الطائرات قد مرت فوق حلب وتل عبيد ودير الزور التي تُعَدُّ مركزاً نفطياً كبيراً في سوريا. وزير الخارجية السوري وليد المعلم ادعى، في لقاء مع سفراء الاتحاد الأوروبي في دمشق، أن الطائرات الإسرائيلية ألقت بالذخيرة على دير الزور. هذا غريب بعض الشيء، لأن هذه المنطقة مأهولة جداً، فدير الزور مدينة صناعية ومركز نفطي سوري مجاور للحدود التركية. على أية حال، يدعي السوريون أن هذه الطلعة الجوية قد قامت بالالتفاف نحو الغرب وغادرت. لمّحت كوندوليزا رايس لما حدث عندما قالت يوم الخميس: «نحن قلقون منذ مدة طويلة من تزايد أسلحة الدمار الشامل. سياستنا تهدف إلى منع الأشخاص الخطرين في العالم من حيازة الأسلحة الأشد خطورة فيه». بعد ذلك، أضافت رايس في روايتها العبارة التالية: «نحن نتحرك مباشرة مع حلفائنا في محاولة لسد الطريق على أنشطة من هذا القبيل». السوريون لم يقرروا بعد أسبوع ونصف مما وجده السوريون عدم نجاح إسرائيلي، قال نائب وزير الخارجية السوري إن سوريا لن تواصل الصمت عن أية خروقات وسترد على الطلعة الإسرائيلية. السفير السوري لدى المتحدة قام بخطوة أخرى وصرح بأن الرد سيكون رداً عسكرياً. يبدو أن السوريين لم يقرروا بعد. هناك خوف من أن ينفذوا عملية انتقامية فترد إسرائيل فيتدهور الوضع. وهل للسوريين مصلحة في ذلك؟ هذا الأمر سيتضح خلال أشهر. إلا أن الكرة ليست موجودة في الساحة السورية فقط. هناك ما يكفي من المجانين في الجهاد العالمي وفي إيران، الذين يمكنهم الشروع بمسلسل انتقامي وردود أفعال من دون طلب تصريح من أي أحد.