رئيس الولايات المتحدة يستطيع، وأغلب الظن يعتزم، أن يعيد قريبا صياغة خطابه الشهير في العام 2002 عن محور الشر ايران، العراق وكوريا الشمالية. سورية لم تندرج في الخطاب الأصلي كون بوش رأي فيها شريكا للحرب المرتقبة ضد العراق وربما للمفاوضات مع اسرائيل، ولكن يبدو ان سورية الآن ستحل محل الغائب الراحل صدام حسين. مهما يكن من أمر، عندما تمر بضعة ايام واسابيع ويتبدد بعض من الغبار الذي يعود أصله الي التضليل الاعلامي المقصود أو مجرد الاخطاء، سيتبين ان هذا بالفعل هو مثلث الشر، سورية، ايران وكوريا الشمالية، يلعبون لعبة مركبة من العلاقات الوثيقة في سلسلة من المواضيع والمستويات، لعبة يجلب فيها أحد الأطراف المعلومات والأطراف الاخري المال. واذا كانت صحيحة التقارير فان هذا الثلاثي غير المقدس أصبح خطرا في غاية التهديد علي السلام العالمي. في كل لحظة معطاة يعاني ثلاثة ونصف مليون نسمة من الجوع في كوريا الشمالية ويوجدون في خطر حقيقي علي حياتهم. كيم يونغ إيل، حاكم الديكتاتورية الشيوعية المتزمتة، يفضل استثمار أفضل الاموال والجهد في تطوير وسائل القتل والحرب علي الازدهار وجودة حياة أبناء شعبه. وفي الطريق يشكل عنصرا دائما لعدم الاستقرار والتوتر في آسيا. في تشرين الاول (اكتوبر) 2006 أجرت كوريا الشمالية تجربة نووية علنية، يبدو أنها لم تنجح إلا بشكل جزئي. وكتبنا في حينه بأنه من الصعب التفكير بعمل مقلق أكثر من ناحية اسرائيل في التوقيت الراهن. فبعد سلسلة المكتشفات المتأخرة جدا عن تقدم النووي الايراني، بعد ضعف الأسرة الدولية ووهن تصميم ادارة بوش تجاه طهران، وبعد النتائج البائسة للحرب الأخيرة في لبنان ـ جاء الاصبع الثلاثي الذي غرسته كوريا الشمالية في وجه العالم وأدي الي أرق عميق في اوساط المسؤولين عن التهديدات الوجودية علي دولة اسرائيل . قبل اربع سنوات من ذلك بالضبط، وصل مبعوث امريكي الي كوريا الشمالية في زيارة وصفت بأنها دراماتيكية . واعتزم الموفد أن يعرض عليهم أدلة علي أنه خلافا للاتفاقات فانهم يواصلون سرا تطوير سلاح نووي. وقد توقع نفيا باتا. ولكن بدلا من ذلك تلقي مصادقة شاملة. ماذا توقعتم بعد ان أدخلتمونا الي محور الشر ؟. بوش لم يُظهر تصميما زائدا، وكيم يونغ إيل شعر ان بوسعه أن يرفع سقف التحدي، ذلك ان الولايات المتحدة ليس لها في واقع الأمر خيار بالعمل ضده. فقد أطلق الصواريخ فوق سماء لبنان ونحو امريكا الشمالية، وفي النهاية أجري التجربة النووية. وأثارت التجربة قلقا شديدا، ليس فقط من عدم الاستقرار العام الذي يخلقه، بل وأساسا في ضوء العلاقات بين كوريا الشمالية وايران وسورية. علي خلفية أكاذيب كوريا الشمالية في الماضي ينبغي ايضا ان نري التزاماتها الدولية قبل نحو عشرة اشهر في التحلل من السلاح النووي. واذا كانت المنشورات عن الهجوم في سورية صحيحا، فلعل كوريا الشمالية تحللت من سلاحها، ولكنها ائتمنته ـ أو ائتمنت عناصر منه ـ لدي الرفاق من دمشق.

صواريخ الي سورية

كانت كوريا الشمالية الموردة المركزية للمعلومات وللمواد لمشروع الصواريخ السوري، المشروع العسكري المركزي لدمشق، في الـ15 سنة الأخيرة والذي كان يفترض أن يشكل ردا علي التفوق العسكري الاسرائيلي في كل باقي المجالات. ومع التزود بالسلاح الكيماوي اعتقدوا في دمشق بأنهم سيحققون توازنا لما يؤمنون بأنه يحصل في ديمونة. في البداية اشتروا من كوريا الشمالية صواريخ سكاد سي لمدي 500 كيلومتر، تغطي كل دولة اسرائيل. ولكن هذا لم يكفهم: من اجل الوصول حتي ديمونة يحتاج السوريون الي نصب هذه الصواريخ علي مقربة من الحدود. ورغب السوريون في صواريخ أبعد مدي وأكثر دقة. وهنا ايضا جاءت المعونة من الكوريين الشماليين. بين 2000 و2001 أجرت سورية تجارب ناجحة علي صواريخ سكاد دي من انتاج كوريا الشمالية حتي مدي 700 كيلومتر. ومنذئذ بدأ الانتاج المنتظم للصواريخ، الذي يسمح للسوريين بنشر واسع ومرن لكل شبكتهم الصاروخية. مساعدات تكنولوجية مشابهة منحتها كوريا الشمالية الفقيرة لطهران مقابل الكثير من المال، وهكذا نجح الايرانيون في أن يطلقوا بنجاح صواريخ شهاب 3 (وهو تطوير لنو دونغ الكوري الشمالي) الي مدي نحو 1300 كيلومتر ـ الذي يغطي كل اسرائيل. هذا التعاون كان ايضا نوويا. ففي مقالة دروس من كوريا الشمالية نشرت في كيهان في تشرين الاول (اكتوبر) 2006، تسأل الصحيفة كيف تتحول الدولة الي ذرية؟ ، الجواب: فقط العناد حيال الولايات المتحدة التي لم توافق علي الحديث وجها لوجه والوعد بأنها لن تعمل علي اسقاط حكومة كوريا الشمالية... فقد بنت كوريا قنبلة أمام ناظر الامريكيين رغم انها كانت خاضعة لضغط شديد ولسنوات من العقوبات الدولية الحادة، وأحد لم ينجح في عمل أي شيء . وحسب معلومات استخبارية وصلت الي وكالة استخبارات غربية، ففي التجربة النووية الكورية الشمالية حضر علماء ايرانيون دُعوا لمشاهدة تحقق حلم كيم يونغ إيل. ومع ان المسار نحو القنبلة الذي اختارته كوريا الشمالية كان مغايرا عن المسار الذي تتقدم فيه ايران اليوم (بلوتونيوم من مفاعل بيونغ بيون ـ مقابل اليورانيوم المخصب في اجهزة الطرد المركزي في نتانز)، ومع أن التجربة لم تكن نجاحا كبيرا، إلا أنه لا شك ان الكوريين الشماليين يمكنهم أن يعلموا الايرانيين الكثير في هذا المجال. جزء من الدفعات لقاء المعلومات الهائلة والمعونة التقنية نقلتها ايران الي كوريا الشمالية بواسطة سوبر نوت ـ وهو العملة النقدية العليا. والمقصود هنا كميات هائلة من الأوراق النقدية من 100 دولار مزيفة، بجودة هي الأعلي المعروفة في التاريخ، طبعتها ايران بواسطة آلة طباعة إنتغليو التي زودتها بها الولايات المتحدة في عهد نظام الشاه. وعرفت كوريا الشمالية ان هذه اموال مزيفة، والولايات المتحدة اضطرت لهذا السبب الي تغيير ورقة المئة دولار خاصتها في شهر. وعن نشر الاموال، حسب الـ سي.آي.ايه، كان مسؤولا أحد قادة الحرس الثوري ورئيس صندوق المقهورين علي وجه الارض. وواصلت الدولتان تزييف الدولارات وتقدمتا الي مستوي هدد ورقة المئة دولار الجديدة. المنفعة الايرانية من مساعدة كوريا الشمالية ثلاثية الأبعاد: طهران بحاجة ماسة لتكنولوجيا الصواريخ والنووي، مثلما سيتبين في السياق، وللشبكة الواسعة من نشر المال عبر الكازينوهات وتجارة المخدرات، لادخال الاموال المزيفة الي الدورة النقدية العالمية. النظام البشع المعزول والفقير لكيم يونغ إيل يربح بالمقابل الدولارات ـ ونقدا.

دولارات لحزب الله

في 17 آب (اغسطس) 2006، بعد ثلاثة ايام من نهاية حرب لبنان الثانية بدأ حزب الله يعمل بكامل النشاط لترميم مكانته في لبنان. في اطار الحرب علي الرأي العام وزعت الحركة رزم مساعدة من 12 ألف دولار نقدا لكل عائلة خرب بيتها في قصف الجيش الاسرائيلي في جنوب بيروت. فقد هدم نحو 15 ألف منزل. وجاء حزب الله بالصحافيين وعرف كيف يستخدم جيدا الخطوة شعبيا. ولكن علي سؤال واحد رفضوا الاجابة: من أين جاءت 200 مليون دولار لتمويل الحملة. وتقتنع الوكالة الامريكية للأمن القومي، ان.اس.ايه ـ وجهاز استخبارات شرق اوسطي آخر بأن مصدر المال هو الورقة النقدية العليا الجديدة . وحسب عدد من الأنباء تعهدت ايران بتمويل جزء من التعاظم العسكري المتجدد لسورية. فسورية ليس لديها اموال لتمويل أي مشروع من هذا النوع. أما كوريا الشمالية من جانبها فلا تعمل بالمجان. وهي تحتاج الي المال النقدي. مع أنه كان لسورية بضع بدايات من المشاريع غير التقليدية في نهاية السبعينيات، ولكنها أحبطت بضغط امريكي علي الدول التي باعتها المعدات ـ الصين، روسيا والارجنتين. وعلي أي حال احتاجت الخطة مصادر لم تكن سورية مستعدة لاستثمارها. وفي السياق تلقي السوريون عرضا مغريا من أبي القنبلة الذرية للباكستان، الدكتور عبد القادر خان، بتزويدهم ما سبق أن زود به ليبيا وايران، ولكن السوريين رفضوا. وصحيح بالنسبة للمفاوضات مع خان، في ختام التسعينيات، زود السوريون بصواريخ مع غاز أعصاب، تصل الي كل منطقة في اسرائيل.

مصادر
يديعوت أحرنوت (الدولة العبرية)