يشتهر الرئيس الأميركي جورج بوش بارتكابه الكثير من الهفوات والأخطاء المحرجة التي كانت محلاً للسخرية والاستهجان في الكثير من المناسبات، ويبدو أن هفواته هذه لا تقتصر على الجانب الشخصي أو اللغوي وإنما تمتد لتشمل كيفية رسم سياسة بلاده الخارجية والاتهامات العشوائية التي اعتادت إدارته توجيهها للدول الأخرى دون تقديم أي أدلة أو إثباتات ما يجعلنا نشعر بالقلق على أمن العالم أجمع من أي هفوة جديدة يرتكبها بوش وأركان إدارته. ففي مطلع الشهر الحالي أثار الرئيس جورج بوش دهشة واستغراب كل من تابع خطابه في قمة دول منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (أبيك) والذي عُقد في العاصمة الأسترالية سيدني بسبب الهفوات الكثيرة التي ارتكبها خلال خطابه الذي لم يستمر إلا دقائق قليلة استقطب خلالها ضحكات الحضور. فخلال كلمته بدا بوش غير مدرك تماماً اسم القمة التي يحضرها وخلط بينها وبين قمة «أوبك»، وهي منظمة الدول المصدرة للنفط، حيث عبر عن شكره لمضيفه الأسترالي على تنظيمه «قمة أوبك». وبعد لحظات تابع الرئيس ارتكاب الأخطاء فشكر القوات «النمساوية» بدلاً من الأسترالية على التزامها في العراق إلى جانب الولايات المتحدة. كما اخطأ في نطق «كانبيرا» العاصمة الأسترالية ونطق «كوالالمبور» العاصمة الماليزية.. وحتى بعد انتهاء الخطاب توجه بوش إلى مخرج خاطئ ما دفع رئيس الوزراء الأسترالي جون هاوارد للإشارة إليه بأصابعه ليريه الطريق الصحيح. كل هذه الهفوات البسيطة التي ارتكبها بوش خلال دقائق قليلة قد تفسر لنا هفواته الكبيرة وأخطاءه الجسمية وجرائمه التي لا تُغتفر التي يواصل ارتكابها في أكثر من مكان في العالم ومن ضمنها سورية التي لم تسلم من زلات وهفوات سياسات بوش المضحكة والتي جسدتها أخيراً الاتهامات الأميركية لسورية بالتعاون النووي مع كورية الشمالية خدمةً لإيران والتورط مع شبكة العالم النووي الباكستاني عبد القادر خان!! لتُضاف هذه الاتهامات إلى قائمة طويلة لا تنتهي تجعل من سورية المسؤول الأول عن كل آثام العالم وشروره!! وقد أعلن الاتهامات النووية الأخيرة اندرو سيميل، نائب مساعد الوزير الأميركي لشؤون منع الانتشار النووي عندما وُجهت له أسئلة حول الغارة الإسرائيلية على سورية الأسبوع الماضي فلم يجد جواباً إلا توجيه تلك الاتهامات المُضحكة والمُريبة لسورية!! فهي مُضحكة لأنها لم تستند إلى أي دليل يؤكد صحتها بل إن من يعود إلى تصريحات السيد اندرو سيميل سيجد أنه قال بالحرف»: ربما جرى اتصال بين سورية وبعض المزودين السريين للمعدات النووية.. ولا يمكن استبعاد تورط الشبكة التي أدارها في السابق العالم النووي الباكستاني عبد القادر خان بل إن المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية شون ماكورماك علق على تصريحات سيميل. بالقول: إنه «لا معلومات لديه حول أي رابط محدد بين دمشق وبيونغ يانغ»!! ولا أعلم كيف لدولة عظمى أن توجه اتهامات بهذه الخطورة إستناداً إلى عبارات من نوع «ربما، ولا يمكن استبعاد، ولا معلومات» وهو ما يجعل من هذه الاتهامات مريبة في توقيتها ومصدرها فهي أتت في إطار البحث عن مسوّغات للغارة الإسرائيلية على سورية وضمن سياق تغطية إخفاق السياسة الأميركية في العراق وبهدف تحويل الأنظار عن الانتقادات الموجهة لإدارة بوش فضلاً عن الاستفادة من الحشد الدولي الرافض لأسلحة الدمار الشامل ومن ثمّ إقحام سورية في هذا الموضوع لاستهدافها قانونياً. ومن يتعمق في مصدر هذه الاتهامات فسيجد أنها تنطلق من إسرائيل وتُغذى من قبلها فعندما أعلنت منذ أيام محطة «فوكس نيوز» أن بحوزة الاستخبارات الأميركية أدلة عن تقديم كوريا الشمالية مساعدة لسورية في تطوير برامج نووية لأغراض التسلح وأنها باعت دمشق في آخر الشهر الماضي منشأة نووية. قالت المحطة بوضوح: إن الاستخبارات الإسرائيلية ساعدت في جمع هذه المعلومات، كما أن صحيفة الواشنطن بوست كتبت: إن «إسرائيل» جمعت صوراً بالأقمار الاصطناعية توضح تعاوناً، نووياً محتملاً بين كوريا الشمالية وسورية. وهو ما عززه اندرو سميل بتأكيده أن «الإسرائيليين يراقبون من كثب أيضاً» ومن ثمّ فعندما تكون إسرائيل هي عين أميركا التي تُراقب عن كثب كل ما يجري في منطقتنا فعلينا أن نتوقع اتهامات من هذا النوع بل وأكثر سخافة وغباء في المستقبل وخاصةً أن الرئيس جورج بوش مؤمن تماماً أنه ينفذ تعليمات الرب وهو يتعامل مع العالم أجمع بعناد راعي البقر التكساسي الذي لا يجيد لغة التفاهم ولا الحوار وهو ما يتطلب منّا التنبه لعدّة سيناريوهات يتم التفكير بها في كل من واشنطن وتل أبيب منها محاولة تكرار السيناريو العراقي مع سورية على المدى البعيد أو التحضير حالياً سياسياً وإعلامياً لعدوان لاحق يستهدف بصورة خاطفة أيّ منشآت عشوائية في سورية تحت ذريعة أنها تستخدم بالتعاون مع كوريا الشمالية وإيران للأغراض النووية وهو أمر سيحقق مصالح أميركا وإسرائيل معاً مادامت أميركا عاجزة عن استهداف إيران فيمكن لها أن تفكر بتوجيه ضربة استعراضية لسورية وتزعم أنها أحبطت النشاطات النووية الإيرانية والسورية معاً على حين تستعيد إسرائيل ثقتها المهدورة منذ تموز 2006. قد يفكر البعض بأن هذه سيناريوهات مستبعدة وغير عقلانية.. ولكن للأسف هذا ما كنّا نقوله أيضاً قبل اجتياح العراق.