رغم أن "أولمرت" لا يقول جديدا في حديثه عن السلام مع السورية، لكنه ينطلق من "القواعد" الجديدة، فهو تجاوز عمليا كل المكونات الأساسية للتفاوض، محاولا أن البحث من جديد عن تفاوض يستند لشكل استراتيجي نشأ في الشرق الأوسط بعد احتلال العراق.

فحديث أولمرت عن السلام يمكن فهمه في سياق تتابع الحدث السياسي، وليس في فحوى الكلام الذي استخدمه، لأنه تجاوز عمدا كافة التقارير التي ظهرت خلال الأسبوعين الأخيرين بعد الاعتداء الإسرائيلي على سورية، ومعتمدا على "خارطة" الأدوار المرسومة سلفا من قبل الإدارة الأمريكية، فالسلام "دون شروط مسبقة" هو تسوية "الواقع" القائم اليوم دون أي "مرجعية" السابقة.

عمليا فإن السلام قبل عقد تقريبا حاول بناء تيار ثقافي، استند أساسا لمعطيات دولية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، لكن "التسوية" بكاملها كانت "ظاهرة" سياسية بامتياز تحاول استيعاب زمن الحرب، دون الإخلال بكافة الترتيبات التي بدأت منذ ظهور "الدولة العبرية". فالسلام في تلك المرحلة كان يعني على المستوى الإقليمي الحفاظ على توازن القوى، لذلك فهاو حاول تجاوز "النقاط" الشائكة باتجاه البحث عن إطار عام يضمن "التزام" دول المنطقة بعملية التسوية.

ولا شك أن اختلال الميزان الإقليمي بعد حرب الكويت كان المحرض الأكبر للدول الكبرى كي تنغمس في هذه العملية، وتحاول تغطية الخلل الاستراتيجي الناجم عن الحرب بتخفيض الصراعات لحدودها الدنيا، فهل يتوفر هذا الظرف اليوم؟!!

السلام الذي "يقدمه" أولمرت يأتي على مساحة من الخلافات حول "مؤتمر" واحد تريد الولايات المتحدة أن ينعقد على أرضها، وهو أيضا ينطلق من معطيات استراتيجية لم تضح، فالحروب المحيطة بالمنطقة لا تملك آفاق سياسية، بينما انتهى التوازن بين الدول التي كانت ترعى مدريد، فكيف يمكن أن يُفهم السلام على القاعدة الجديدة!!

ربما يتكون النقطة الأولى في "السلام" المعروض اليوم ما بين الولايات المتحدة وصولا إلى "إسرائيل" على أنه "التحكم بالتوتر"، على الأخص أن يأتي على قاعدة من التصعيد بين دمشق وتل أبيب، فهو ليس عرضا بل استيعاب للنتائج التي خلفتها عمليات التعبئة الإعلامية على الأقل في الشرق الأوسط. فالتوازن السياسي غير متوفر، وبالنسبة لدمشق فهناك عنصرين على الأقل بحاجة لبحث قبل أن تتوفر أرضية لأي عمل دولي يسعى إلى تسوية مهما كانت شروطها:

- الأول هو الحدود الشرقية لسورية، فالعراق اليوم ساحة معركة حقيقية، مما يجعل المنطقة على حافة توترات دائمة، ويستحيل مع هذا الأمر رسم تسوية مادامت الآفاق السياسية في العراق غير واضحة.

- الثاني هو لبنان، حيث تبدو العملية السياسية متوفقة عند نقطة واحدة، والمسألة هنا لا تعني سورية من ناحية السياسة الداخلية، بل الوصول إلى حدود دنيا من الاستقرار في لبنان يمنع التصعيد أو انفجار الوضع بشكل يربك السياسة الإقليمية عموما.

لا يبدو "السلام" واضحا، والخطورة اليوم أن الآفاق السياسية مغلقة، حيث لا تسعى الولايات المتحدة إلى "ترطيب" الأجواء إقليميا، فهي اللاعب الأقوى كونها تحتل العراق، وهي أيضا تملك استراتيجية تملك عناصر قتالية بالدرجة الأولى دون أن تملك غاية سياسية واضحة، لذلك فإن حديث أولمرت هو في النهاية محاولة للتحكم بالتصعيد أكثر منه دخول في سياسة تقود للتسوية.