لمجرد السؤال فقط يمكن العودة إلى المصطلحات التي كانت حاضرة في الخطاب العربي حول "التضامن" أو "الوحدة على مدى نصف قرن، فالمراجعة السريعة لهذه الكلمات يوضح أن المساعي السياسية كانت "تجاهد" و "تناضل" من أجل إبقاء "التضامن" لمدة تزيد قليلا عن خمس عقود، وبشكل يوحي أن هذا "التضامن" هو الغاية" دون بحث عن نتائج "الجهود المهدور" من أجل وحدة "الصف العربي"...

فإشارات الاستفهام حول "التضامن" بقيت موجودة حتى في أوج التعاون سواء خلال مؤتمر القمة في الخرطوم، أو خلال حرب تشرين، رغم أن "المعنويات" في تلك المرحلة كانت في أعلى مستوياتها، وكان واضحا أن "الدعم" العربي متوفر لكن "النتائج" بقيت في مهب الريح.

ونبدو إعادة الأسئلة حول "التضامن" و "وحدة الصف العربي" ضرورية مع التلويح الإعلامي على الأقل بأن سورية فقدت "الدعم العربي"، أو أنها بقيت "دون العرب".. رغم أن هذا التقارير لا تحاول أن الدخول إلى ما أبعد من مسألة "العزلة" التي تطرحها وكأنها شأن عابر. فقضية "التخلي" العربي عن موضوع ما ليست جديدة، وعلى طول مساحة الحروب التي شهدناها كان "التضامن" العربي يكتفي بتسجيل "المواقف" فما هو الجديد في مسألة "التشتت" الحاصل اليوم ضمن محيط الشرق الأوسط على الأقل؟!!

عمليا فإن إبراز خلافات دمشق مع الدول العربي يحمل مؤشرين أساسيين:

- الأول أن هذه الدول ليست معنية بتخفيف التوتر، ففي سابق كان الاستنكار الذي يصدر عن "الجامعة العربي" يقرر على الأقل رفض التصعيد، أو عدم الاستعداد في دخول بصراعات داخلية. لكن هذا الأمر انتهى عمليا بعد احتلال العراق للكويت عام 1990. عندما بدأت المنطقة تتعامل مع صراعات عسكرية فيما بينها لا تدخل "الدولة العبرية" طرفا فيها.

- الثاني أن الدول العربية لم تعد تملك اهتماما في استقلالية علاقاتها الداخلية، فهي تتحرك على إيقاع النظام العالمي، وعلى طبيعة الرؤية الاستراتيجية التي نظرة الإدارة الأمريكية للمنطقة عموما.

ما يحدث اليوم وسط أزمة المنطقة وطبيعة تعامل الدول المعنية يعيدنا إلى أزمات دولية مشابهة، وعلى الأخص "أزمة كورية الشمالية" بعد الحديث عن تجربتها النووية، فالتوتر تم حصره على الأقل في شرق آسيا رغم العدوات التقليدية بين كل من طوكيو وبيونغ بايغ، لكن هذا الأمر لم يكن يعني أن الأزمة يمكن أن تترك للميزان الدولي فقط، بينما نشهد في الشرق الأوسط أعلى نسبة من محاولات التدويل حتى بالنسبة للشؤون الداخلية.

سورية "دون العرب"!! هو افتراض حتى اللحظة، لكنه يملك مؤشرات في الحركة السياسية، فما تسعى إليه الإدارة الأمريكية في هذه اللحظة ليس ضرب "التضامن العربي"، بل التفرد بعوامل الأزمة بغض النظر عن مصالح دول المنطقة وهو ما يجعل خطورة التصعيد يطال الجميع. فالمسألة ليست "علاقات سورية بإيران" كما يتم الترويج، أو خلافات لها خصوصيتها تظهر بين مرحلة وأخرى، إنما فقدان لرؤية مستقبل المنطقة في ظل تنحي الجميع عن دوره في معالجة الأزمات.