خلال خطابه الذي القاه في يناير 2002 وتناول فيه حالة الاتحاد الامريكي، استخدم الرئيس بوش لاول مرة تعبير »محور الشر« الذي ضم آنذاك: العراق، ايران، كوريا الشمالية. والواقع ان هذا المحور كان من بنات افكار دي÷يد فروم، كاتب خطابات الرئيس بوش، الذي كان يسعى في ذلك الوقت عن عبارة مثيرة ليؤكد من خلالها مدى التهديد الكبير الذي قيل ان امريكا تواجهه من جانب عدد من الاعداء الذين اتحدوا ضدها في اعقاب هجمات 11 سبتمبر. غير ان تلك العبارة التي استخدمتها وسائل الاعلام على نحو كبير كانت بعيدة في حقيقة الامر عن الواقع الذي كان يشير الى عراق صدام حسين لم يكن لديه علاقات ذات معنى مع بيونغ يانغ او طهران سوى مشاركتهما كراهية التفوق العسكري الامريكي. والان، لو استثنينا ايران، لتبين لنا ان محور الشر تضاءل وانحسر واصبح شيئا من الماضي بعد انتهاء تهديد نظام صدام لحقول النفط في الخليج التي تحرك اقتصاد الغرب، وبعد ان بدأت كوريا الشمالية في التحرك نحو وقف نشاط مفاعلها النووي الذي مكنها من اختبار قنبلة ذرية في الخريف الماضي. بل وثمة مؤشرات تبين ان ايران بدأت تعاني من صعوبات اقتصادية خطيرة نتيجة لبرنامجها النووي المثير للجدل مما دفع الملالي للتفكير جديا باعادة النظر في عملية تخصيب اليورانيوم. غير ان كل هذا التفاؤل كان في غير محله على ما يبدو بعدما تم الكشف الاسبوع الماضي عن قيام سلاح الجو الاسرائيلي بهجوم متهور على منطقة نائية في شمال سورية لتدمير منشأة عسكرية بالغة السرية. بالطبع، لا تزال الطبيعة الحقيقية لذلك الهدف محورا للكثير من التكهنات، ليس فقط لان الحكومة الاسرائيلية فرضت تعتيما كثيفا على احداث ليلة السادس من سبتمبر الماضي بل وايضا لان منفذيها التزموا درجة مماثلة من السرية والكتمان. لكن، استنادا لبعض المعلومات القليلة التي ظهرت على السطح اخيرا، يدو ان ثمة محورا جديدا للشر آخذ بالتبلور، طبعاً لواشنطن وتحتل سورية فيه مكان العراق. لكن، علي عكس ما كان عليه الحال مع العراق، تتمتع سورية باتصالات موثقة مع كوريا الشمالية وطهران، وهي تتعاون معهما في جملة من المشاريع، بدءا من لحصول على صواريخ ذاتية الدفع بعيدة المدى والى تطوير اسلحة كيمائية ونووية. واذا كان الفشل في اكتشاف وجود مخزونات لاسلحة الدمار الشامل في العراق، اثر الاطاحة بنظام صدام، قد قوض بدرجة كبيرة جدا تبرير التحالف لغزو العراق، الا ان القدرات السورية هنا لا تثير اية شكوك، فحتى قبل الغارة الاسرائيلية الاخيرة، كانت في العديد من وكالات الاستخبارات والحكومات تعلم ان سورية تمتلك اكبر قدرة من الاسلحة الكيمائية المتقدمة في الشرق الاوسط. بل وعلى عكس العراق ايضا، تمتلك سورية انظمة توجيه واسقاط تجعل هذه الاسلحة خطرا مؤكدا، اذ من المعتقد ان لديها ما بين 60 و 120 صاروخا من طراز »سكد ـ سي« و 200 »سكد ـ بي« بمدى يصل الى 300 ميل، مما يمكن سورية من ضرب كل مدن اسرائيل الرئيسية. ومن المعتقد ايضا قيام السوريين بتعديل الرؤوس الحربية في الاسلحة الكيمائية لتعزيز فعاليتها، اذ كانت واشنطن قد اتهمت سورية رسميا بانها اجرت اختبارا لاسلحتها الكيمائية عام 2003. وفي الآونة الاخيرة وقعت دمشق على معاهد للدفاع المتبادل مع طهران لتحصل منها على نظام صواريخ »شهاب ـ3) الذي هو نسخة ايرانية الصنع عن صاروخ »سكد« الروسي و»نودونغ« الكوري الشمالي. جدير بالذكر ان توقيع سورية وايران على المعاهدة الدفاعية حدث في أواخر 2005، لكن قرار تنفيذها لم يصدر الا في مايو الماضي اثر اجتماع مجلس الامن الوطني الاعلى برئاسة الرئيس الايراني السابق علي اكبر هاشمي رفسنجاني وهناك الان مهندسون ايرانيون يبنون في شمال سورية منشآت تخزين لصواريخ جديدة من المقرر ان تأتي من ايران بنهاية هذه السنة. ومن الواضح ان الاسرائيليين كانوا يراقبون باهتمام شديد هذه النشاطات، لكن شكوكهم زادت اكثر عندما رست سفينة شحن كورية شمالية في ميناء طرطوس السوري في الثالث من سبتمبر. رسميا، كانت هذه السفينة تفرغ شحنة من الاسمنت، لكن الاستخبارات الاسرائيلية، التي كانت مقتنعة ان سورية تحاول شراء اجهزة نووية من كوريا الشمالية، احست بالشك في ان الكوريين الشماليين كانوا يحاولون تفريغ بعض المعدات النووية في سورية قبل ان يتم الطلب منهم تسليمها لمفتشي الامم المتحدة النوويين كجزء من الاتفاق الذي جرى التفاوض عليه حديثا مع واشنطن. لكن من غير المعروف ما اذا كانت تلك المعدات والتكنولوجيا النووية ستبقى في سورية ام يتم نقلها لايران، فمن الملاحظ ان لدى سورية مفاعل ابحاث نووية صيني الصنع في دير الحجار قرب دمشق، ويخضع لمراقبة مفتشي الأمم المتحدة باستمرار. أما ايران فقد ضللت الغرب بشأن برنامجها النووي مما اثار شكوكا كثيرة بان لديها مشروعا سريا لصنع الاسلحة. من ناحية أخرى، تشير التقارير الواردة من اسرائيل ان لسورية مجمع نووي سري قرب مدينة ديرالزور في شمالي البلاد. واذا كان من غير الواضح ما اذا كان هذا المجمع هو مركز ابحاث او مستودع لتخزين الصواريخ أم لا الا ان مخاوف اسرائيل انتهت الان بعدما اظهرت صور الاقمار الاصطناعية الامريكية انه تحول الى ركام بعدما دمرته 8 طائرات اسرائيلية من طراز اف 15، كما فعلت عام 1981حينما دمرت مفاعل صدام النووي المعروف آنذاك باسم »اوزيراك« لكن الم يكن تدمير مجمع دير الزور رسالة موجهة لايران ايضا؟