ما تزال أهداف الغارة التي شنتها الطائرات الإسرائيلية على سوريا تحضى باهتمام كبير من قبل المحللين ، وشملت التكهنات الحديث عن تدمير شحنة أسلحة إيرانية كانت في طريقها إلى حزب الله ، أو تدمير منشأة نووية في "دير الزور" تم بدء العمل على إنشائها بمساعدة كوريا الشمالية وإيران ، مع العلم أن تلك الغارة لم تكن الأولى للطيران الإسرائيلي على الأراضي السورية. في المقابل ، يثيرنا كمتابعين ذلك الاتفاق على الصمت بين سوريا وإسرائيل ، فالأخيرة رفضت حتى التعليق على أنباء الغارة من حيث نفيها أو تأكيدها ، بالمقابل سوريا لم تقل الكثير عن تلك الغارة ولم ترد على ما أثير من تحليلات غربية حول أهداف التي طالها القصف الإسرائيلي. الصمت والغموض مريب للمحللين ويفتح شهيتهم للتكهنات ، خاصة وأن إقليمنا المتوتر يحتمل إسقاط أي سيناريو عليه في الوقت الراهن . وحده زعيم حزب الليكود "نتنياهو" كسر قبل أيام هذا الحاجز ، في خطوة وصفها بعض المحللين الإسرائيليين بالغبية ، حينما صرح عن معرفته بتلك الغارة ، وأنه يدعم أولمرت الذي تشاور معه مسبقاً بشأنها ، في حين رفضت أمريكا ورئيسها حتى التعليق على الموضوع. المثير أكثر من الغارة ، هو سلوك إسرائيل ، على الأقل إعلامياً ، تجاه سوريا ورئيسها بشار الأسد ، ففجأة خرج أولمرت علينا بتصريح إعلامي يؤكد أنه يطمح إلى "مفاوضات دون شروط مسبقة مع سوريا ، وأنه يحترم الرئيس بشار الأسد" ، ثم خرج الرئيس الإسرائيلي "شيمون بيرس" على الخط ليؤكد أن "أولمرت صادق في نواياه التي أعلنها تجاه سوريا ورئيسها ، وأن عهد ردات الفعل المتسرعة بين الطرفين قد ولى". فكيف لنا أن نفهم هذا الأمر: إسرائيل تناور في الجولان وتقصف أهدافاً إستراتيجية في العمق السوري وطائراتها في حالة تأهب قصوى ، لدرجة أن أسراب طيور قادمة من الأراضي السورية جعلتها تحلق بكثافة للتصدي لعدوان محتمل أول أمس ، ثم تتحدث عن التهدئة والاحترام،؟ ما الذي يحصل. لكن ، ألا يمكن أن تكون الغارة ومظاهر التوتر هي فقط للتغطية على فعل أو حدث كبير يتم نسج خيوطه في مكان آخر بهدف التركيز على الاتجاه المضاد ، مثل محادثات سرية مثلاً؟ وكيف لنا أن نقرأ تصريحات الرئيس بوش في أنه لا يمانع أي صيغة أو إطار تفاوض مباشر بين سوريا وإسرائيل؟ وهل لنا أن نقرأ هذا الأمر ضمن إطار سياسة محاولة سحب سوريا من الحضن الإيراني تمهيداً للمرحلة المقبلة؟ أسئلة مهمة ، ونستطيع التكهن بإجاباتها ، لكن كلمة مثل "ربما" هي الأكثر ملاءمة للإجابة عن كل سؤال منها ، وهي تأتي في نفس إطار الغموض الذي يلف حالياً الكثير من التحركات التي تتم في المنطقة وصولاً إلى "مؤتمر الخريف" الذي سيعقد في نيويورك برعاية الإدارة الأمريكية والذي ستتم دعوة سوريا لحضوره بقيادة السمراء الوزيرة رايس. التوقعات والسيناريوهات التي تم رسمها لصيف ساخن يتضمن حرباً على سوريا قد بان عدم دقتها ، ونستطيع التكهن بأننا قد تجاوزنا مسألة الحرب على الجبهة السورية - الإسرائيلية والتي أكدنا مراراً أننا نستبعدها كلياً ، لأنها ببساطة حديث عن حرب بلا أهداف إستراتيجية لكلا البلدين ، ونحن نعرف جميعاً أن ميزان القوى يميل بالمطلق لصالح إسرائيل ، وأن لا مصلحة لسوريا وإسرائيل في خوض مثل هكذا حرب ، وما أطلق من إشارات ربما سيقودنا فجأة إلى نتائج مغايرة وبعيدة عن كل التوقعات.

مصادر
الدستور (الأردن)