رغم أن سيل الروايات حول الاعتداء الإسرائيلي على سورية سيستمر لفترة طويلة، لكن الآلية الإعلامية شكلت على ما يبدو فضاءها الخاص، الذي يحاول ربط الأزمة بمحاور متعددة دون الأخذ بعين الاعتبار الوضع التقليدي بين سورية و"الدولة العبرية". عمليا فإن البيان السوري كان عسكريا بكل المقاييس، فهو أعلن عن "حدث" معين بصفته اعتداء على سيادة الدولة، في المقابل فإن الآلية الإعلامية تطورت في اتجاهات مختلفة إلى أن وصلت لروايات متطورة، وذلك بغض النظر عن "عامل التشويق" داخلها، لكنها في النهاية تسعى لتهميش قاعدة الصراع الأساسية، أو حتى "حالة الحرب" بين سورية و "الدولة العبرية"، واستبدلها بمسببات مختلفة. وفق العملية الإعلامية "Media Process" هناك ثلاث أمور أساسية تم التعامل معها:الأولى: عدم طرح أي مصدر رسمي من الجانب الإسرائيلي على الأقل يشرح أو يوضح حقيقة حدوث الاعتداء، فالحكومة الإسرائيلي اكتفت بالتحدث عن قدرة الجيش الإسرائيلي. ويبدو ان الغرض الأساسي من هذا الموضوع هو ترك مجال واسع لـ"المصادر المطلعة" كي تتحدث، وبالتالي إزاحة الاعتداء عن محور الأساسي بصفته انتهاكا لسيادة الدولة باتجاه قادر على بناء قصة تتمحور حول "الإرهاب" و "التسلح النووي" وغيره من الأمور.الثاني: ربط التصريحات الرسمية الأمريكية بشروط ظرفية، فهم لم يؤكدوا الروايات المتداولة لكنهم "أكدوا" مراقبة سورية، وطرحوا الحلول العقابية التي يمكن ان يمارسوها لو صحت الروايات.الثالث: الاعتماد على تسارع ظهور "الروايات"، بحيث لا يستطيع المتلقي أن يفكر كثيرا بالروايات السابقة، فنحن بدأنا ببيان رسمي عن "اعتداء" على الأراضي السورية، ولكننا انتقلنا إلى نقطة جديدة متعلقة بـ"شحنة أسلحة" متوجهة إلى حزب الله، وبعدها تفجير "منشأة نووية" صغير، وأخيرا رواية الكومندوس التي تبعها تصريحات رايس إلى "فوكس نيوز" بأن التوتر سببه الدعم السوري لحزب الله... في مجل العملية الإعلامية ليس هناك حقائق بل نتائج تنتشر بسرعة وتقوم "بالتوالد" الذاتي، وهو أمر يقط أي احتمالات للتعامل السياسيوفي نفس الوقت يحول مجرى الصراع بين سورية و "الدولة العبرية من مساحته الحقيقية باتجاه آخر، كما يتيح لجمع "الأخبار القصيرة" وربطها بما حدث، فالتفجيارات التي أحبطت في ألمانيا فيها معلومات يتم كشفها اليوم، وفيها اسم سورية، وليس مهما موقع "سورية" من هذا الموضوع لكنه يظهر على صفحات الجرائد مجاورا لأي رواية جديدة حول التوتر الحاصل في الشرق الأوسط. المشكلة أن "العملية الإعلامية" تدق طبول الحرب قبل الآوان، وهي تشكل مجال المناورة السياسية ضمن أضيق مساحة له، مما يجعل "إدارة الأزمة" وكانها "قيادة معركة" قبل نشوب الحرب التي يتحدث عنها المحللون.