لم أحاول التفكير في أن رواية "الصحيفة العبرية" حول دخول مراسلها إلى دمشق صحيحة أم خاطئة، فالمهم هو الاستباحة التي قامت بها الصحيفة بعيدا عن أي نوع من "قدسية" العمل الإعلامي، فتحقيق السبق لم يكن على حساب "الموضوعية"، بل استمد شكله من القدرة على "التباهي" بالاعتداء الإعلامي بعد العسكري.

المسألة ليست في "برغماتية" المراسل أيا يكن.. هي في النهاية صورة لا غير، فقدرة الصحافي على التلاعب والوصول متوفرة عند كل أصحاب هذه المهنة، لكن النتيجة هي الشكل الاستعراضي الذي يريد الإعلام أن يطرحه امامنا وكانه خلاصة العالم، ففي مسيرة ما حدث من الاعتداء الإسرايلي الأخير على سورية، كانت "الحيادية" هي أكثر العناوين وضوحا.. حيادية في الإعلام العربي.. وحيادية في ردود فعل المجتمع على ما حدث.. وحيادية في التحليلات، وأخيرا حيادية في رؤيتنا الثقافية، وكأن المسألة هي استعادة للذاكرة والتاريخ وليست واقعا نعيشه.

ربما نستطيع أن نشاهد بعض "النخب" وهم يشاهدون ما حدث ويتابعون الموضوع باهتمام بالغ، ثم يسيرون في مساحاتهم الضيقة أو مشاوراتهم، لكن الاعتداء العسكر والإعلامي لم يكن شأنا عابرا أو تحد لـ"واقع" معين في سورية، فهو استباحة كاملة لكافة الشرائح السورية، سواء أحست بهذا الأمر أو اعتبرته عملا روتينيا بعد أن أدمنت "حروب الاستباحة" من العراق إلى غزة.

في المقابل يبدو من الصعب اقتناص لحظة يقظة ثقافية تحاول قراءة ما يجري، أو تسعى للتعامل معه، فالمسألة اليوم تبدو مختلطة بالنسبة لـ"منجي الثقافة" أو "الإعلام"، أو حتى لـ"مجتري" التراث... فهناك نتائج جاهزة أمامهم، وهم ليسوا بحاجة لإنتاج الواقع بعد أن استباحه "النظام الدولي" بطريقة "هادئة"!!

وعندما يدعي مراسل من "إسرائيل" أنه تجول في سورية فإن الأمر لا يفزعني سواء كان صادقا أو كاذبا، لأن الخطورة ليست في "تجواله" بل في ردود فعلنا اجتماعيا وسياسيا على ما قام به، وربما يطرق الأرض أمامنا على "التشكيل" الإعلامي، لكنه في النهاية أراد أو حاول أو يدعي أنه استباحنا... فما الذي يوقفنا عن التعامل مع هذا العمل!!

أتوقع أن تظهر التحليلات وأن تقوم "الميكانزيما" الإعلامية العربية بتأسيس "ناد" لمعالجة هذا الموضوع.. وأتوقع أيضا تحميل الحكومة السورية مسؤولية ما حدث... فلو منع هذا الصحفي من دخول سورية لتحدثنا عن "حقوق الإنسان".. وإذا دخل كتبنا عن "الاختراقات"، ولكن المسألة تبدو أبعد من أن نتركها لتأويل التحليلات، لأنها تحتاج لبعد ثقافي جديد، لا يلاحق الصحفيين القادمين من الخارج، ولكنه على الأقل قادر على خلق "مسؤولية اجتماعية" تستطيع الوقوف في وجه هذه "الاستباحة الإعلامية".