لم يكن بمقدور الدولة العبرية التزام الصمت وطابع السرية الذي أحاطت به الغارة الإسرائيلية أو حتى التحليق فوق محافظة دير الزور في الشمال الشرقي لسوريا الى ما لا نهاية، بل أخذت بعض القنوات الاستخباراتية الإسرائيلية في الحديث عن تلك المحاولة التي قامت بها مقاتلات اسرائيلية شنتها فجر السادس من سبتمبر على هدف في سوريا مع الايعاز الى رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية عاموس يدلين بالتزام الصمت حيال هذه المسألة خلال مثوله أمام لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، خصوصا بعد تهديدات سورية تلقتها اسرائيل مفادها ان القيادة السورية لن تقف كثيرا مكتوفة اليدين حيال محاولات القرصنة الصهيونية من أجل رفع معنويات الجيش الإسرائيلي بعد صدمة حرب يوليو الصيف قبل الماضي وقالت اسرائيل إنها تأخذها «على محمل الجد»، بالرد على انتهاك مجالها الجوي، والتكهنات الكثيرة في شأن هدف تلك الغارة.

وبعدما اوردت تقارير الصحف الأجنبية ان المقاتلات الإسرائيلية استهدفت على ما يبدو مشروعا نوويا إيرانيا ــ سوريا مشتركا. نفت دمشق بشدة وكذبت التقارير الأميركية المختلقة والقائلة بانها تسلمت مواد نووية من كوريا الشمالية. وكان المسلسل الأميركي الطويل في العراق بدأ يأخذ سيناريو جديدا صوب سوريا.

حتى المسؤولون الكوريون الشماليون نفوا بشدة ما تناقلته وكالات الأنباء الأميركية جملة وتفصيلا من ان تكون بلادهم تقدم الخبرة النووية الى سوريا، بينما صرح وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس لشبكة «فوكس نيوز» الأميركية للتليفزيون بأن تعاونا بين سوريا وكوريا الشمالية في المجال النووي سيطرح «مشكلة حقيقية» للولايات المتحدة.

وأبلغ رئيس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست الاسرائيلية تساحي هانيغبي الصحفيين انه أمر يادلين بتفادي أية اشارة الى سوريا في جلسة للجنة. وقال ان الحكومة تلتزم سياسة الصمت حيال الحادث، إلا انها تأخذ التهديدات السورية على محمل الجد، لأنهم يدركون تماما ان مفاتيح عدة للعبة في المنطقة ما زالت بيد سوريا كالارتباط الوثيق مع طهران اضافة الى حزب الله وحلفائه اللبنانيين والمنظمات الفلسطينية الراديكالية التي تقيم قياداتها في دمشق زد على ذلك قيادات حماس والجهاد الإسلامي إضافة للحدود مع العراق.

سياسة ضبط النفس التي تنتهجها اسرائيل أثبتت انها متخوفة من ردة الفعل السورية ولهذا فقد اكتفت الدولة العبرية بالصمت المطبق طيلة 12 يوما لخفض التوتر سيما ان اسرائيل ما زالت تعاني من هزيمة عصرية لم تحسب لها والولايات المتحدة أي حساب حينما انهارت المعنويات لدى قيادات الجيش الاسرائيلي وجنوده والعطل الذي أصاب ماكينته العسكرية الأرضية وحشر مواطني الشمال والوسط في الملاجئ طيلة 33 يوما هذا كله كلف الخزينة الإسرائيلية أكثر من أربعة مليارات دولار.

هزيمة يوليو السنة الماضية ولدت احساسا لدى السوريين ان اسرائيل خسرت الحرب وان الإسرائيليين هم الآن في حالة ضعف ولهذا بدأت سوريا بشراء السلاح المتطور وبات هاجس استرجاع الجولان بالطرق العسكرية أقل خسارة من المناورات الإسرائيلية والتلاعب بالمبادرات وتهبيط الحيطان فوق رؤوس الأنظمة العربية التي تخشى على كراسيها من الشر المستطير بها.

تصريحات وزير الخارجية السوري فيصل المقداد لقيت آذانا مصغية في القدس المحتلة وحللها أصحاب الشأن هناك، بأن سوريا سترى المكان والزمان المناسبين للرد.

الإسرائيليون الذين بدأوا بترميم مؤسستهم العسكرية أخذوا شيئا من الدعم حول طبيعة تلك الغارة والترميم الفعلي الذي بدأ يصب في المؤسسة العسكرية، وإعادة ضخ الدم في شرايين تلك المؤسسة من شأنه إعادة الروح المعنوية المنهارة للجيش الذي قهر حقاً.

رسالة النفي الكورية الشمالية تلقتها واشنطن بشيء من الحذر مع يقين بأن الولايات المتحدة واقمارها الصناعية التجسسية تعمل ليل نهار فوق سوريا وإيران وبيونغ يانغ وهو ما أعلن عنه صراحة وزير الدفاع الأميركي غيتس بأن التعاون السوري - الكوري الشمالي في المجال النووي سيكون مشكلة كبيرة وفي حال وجود مثل هذا النشاط سيكون مبعث قلق كبير لان الرئيس جورج بوش أفهم الكوريين الشماليين بوضوح بما يفكر فيه بشأن جهود الانتشار النووي، وتالياً فإن أي جهد يبذله السوريون للحصول على أسلحة دمار شامل سيكون ولا شك مصدر قلق.

ولهذا فقد يرى المحللون السياسيون في الخطوة الأميركية التصعيدية تجاه دمشق حلقة خطيرة من سلسلة حلقات تقوم الإدارة الأميركية بإعدادها لخلق جو من التأليب الأميركي الشعبي ضد سوريا خصوصاً ان الانسحاب القسري للجيش الأميركي من العراق بات الهاجس الشعبي الأميركي ولهذا فلابد للرئيس جورج بوش وإدارته من الخروج من طين العراق بحثاً عن أرض صلبة أقل كلفة، فهل تكون سوريا الأرض الأخرى قبل إيران وهل تسمح سوريا القوية شعبياً والمتماسكة سياسياً وعسكرياً والمنيعة استخباراتياً من تمرير المغامرة الأميركية القادمة في المنطقة.

سؤال برسم العارفين بخفايا السياسة الأميركية وما تشهده من تخبط في ادائها

مصادر
الوطن (قطر)