هناك ظرف مختلف تماما، وربما زمن جديد يجعلنا نفشل في قراءة حرب تشرين التي تبدو حتى اليوم دون حسم في "الموقف" من نتائجها، فالحروب في العالم تصبح تاريخا بينما لم نستطع حتى اليوم أن نُتمم صورة أي حرب ضمن الصراع مع "الدولة العبرية". وحرب تشرين ليست استثناء في حركة الصراع المستمر رغم تبدل المسميات.

عمليا هناك "سيل" من "المشكيين" بما حدث، وهذا التيار ينطلق من اعتبارات سياسية محاولا خلط المساحة ما بين "حرب الدولة" والصراعات السياسية التي سادت المنطقة منذ عهود الاستقلال الأولى، وهذا الأمر ليس جديدا، فبعد حرب 1948 ظهر هذا التيار وكان السبب في بداية الاضظراب السياسي، والخلط ما بين الغايات السياسية وطبيعة الدولة التي تخوض حربا خارجية. فعملية التشكيك في أي حرب خضناها أو ربما نخوضها مستقبلا مع "الدولة العبرية" هو نتاج عدم الوعي الكامل بالانتماء إلى الدولة وخلق فصل واضح ما بين التنافس السياسي ومصالح الدولة العليا في حال تعرضها لخطر خارجي.

وحرب تشرين ليست حدثا عسكريا فقط فالجدل الذي دار حولها يمكن اعتبارها جزء منها، لكن في النهاية فإن "ممارسة" الحرب عبرت عن واقع خاص في حيوية الصراع، فهذه الحرب جاءت وفق سياقها المرتبط بطبيعة التأثيرات التي خلفها وجود "الدولة العبرية" في المنطقة، فإذا كان صحيحا أنه في تلك المرحلة توفر الحد المقبول من "التضامن العربي" لكن الخلاف على "استراتيجية الصراع" استهلك نتائج الحرب على الصعيد السياسي، فتوقفنا عند حدود "نصف الانتصار"، وهو امر تكرر دائما سواء في الانتفاضة الفلسطينية أو حرب تموز العام الماضي، حيث اعادت السياسة إنتاج الحرب من جديد، فبعد حرب تشرين توقنا عند ثلاث نتائج أساسية:

- تشكلت القوى الإقليمية من جديد، فدول الخليج اكتسبت مواقع جديدة نتيجة "الفورة" النفطية، وهو امر أثر بشكل واضح حتى على مستقبل الصراع، لأنها أصبحت تملك نفوذا في عمليات المواجهة أو السلام، وعلينا التذكر أن كافة المبادرات العربية للسلام كانت من نتاج "خليجي".

- أثبتت الحرب أن مسألة الصراع ليست "نوايا" أو "قدرة" عربية على المواجهة فقط، فهي تحتاج لرسم استراتيجي متكامل لا يدفع البعض إلى التعامل مع الفعل العسكري بكشل انتقائي، فالهدف الاستراتيجي لم يكن واضحا وهو الأمر الذي قاد في النهاية إلى توقيع اتفاقيات "سلام منفرد".

- بدا واضحا خلال وبعد الحرب أن مسألة الحرب لا يتحكم فيها عامل واحد ظهر في الشعارات التي أُطلقت بشكل دائم حول مسألة الأرض، فهناك تناقض ثقافي على أقل تقدير قادر على تفجير النزاع، فكل تجارب السلام كانت نتيجة حرب تشرين، لكنها تجارب أثبتت عقمها، وكانت في نفس الوقت مولدة للعنف ابتداء من لبنا وانتهاء بأحداث الانتفاضة الفسطينية وما تبعها. ففي النهاية فنحن أمام عمل مزدوج مرتبط بالحقوق (الأرض) وبالتناقض الصارخ ما بين "الثقافة" (إن صح التعبير) التي أوجدتها "الدولة العبرية" منذ ظهورها.

حرب تشرين ليست فقط تفاصيل عسكرية، لأنها في النهاية زمن خاص كشف وبشكل سريع المساحات المكشوفة من "الاستراتيجية العربية"... لذلك من الصعب أن تصبح "تاريخا" كغيرها من الحروب.