لا شك أن نجاح الطائرات الاسرائيلية في اختراق الأجواء السورية عدة مرات في الآونة الأخيرة يعد مؤشراً علي مدي تفوق سلاح الجو الاسرائيلي والخلل والضعف في شبكة الدفاع الجوي السوري، وتزايد الفجوة التقنية والتكنولوجية بين القوتين، التي تنذر بأسوأ العواقب بالنسبة لسورية في حال اندلاع مواجهة عسكرية جديدة بينها وبين اسرائيل. والمؤشرات علي ضعف وتخلف شبكات الدفاع الجوي السوري ليست جديدة، بل تعود الي بداية الثمانينات من القرن الماضي، عندما تمكنت الطائرات الاسرائيلية من تدمير قواعد صواريخ أرض-جو من طراز سام 6 المتحركة، التي نشرها السوريون في البقاع اللبناني، كما تمكنت أيضاً من اسقاط (90) طائرة سورية خلال دقائق من الاشتباك الجوي الذي جري بين الطرفين في الأيام الأولي من حرب 1982. اذن التفوق الجوي الاسرائيلي الساحق علي القوات الجوية السورية سواءً من حيث نوعية الطائرات أو القذائف الموجهة أو وحدات التحكم الالكتروني والاعاقة الالكترونية ليست حديث العهد أو مفاجئاً، فالتفوق الاسرائيلي في هذا المجال معروف لدي كل الخبراء والمراقبين ومنذ زمن بعيد. أما الجديد والقريب بهذا الشأن هو الصخب والضجيج الاعلامي الذي واكب التحليق الاسرائيلي في عمق الأجواء السورية مؤخراً، فالبعض تحدث عن استهداف الطائرات الاسرائيلية لمواقع سورية تخزن فيها أسلحة كيماوية وبيولوجية، والبعض الآخر ذهب في تخميناته وتوقعاته بعيداً جداً خارج حدود المنطقة، عندما تحدث عن وجود معدات نووية كورية شمالية مخزنة داخل الأراضي السورية، علماً بأن كوريا الشمالية بالاضافة الي الفاصل الجغرافي الواسع بينها وبين سورية ونظراً لطبيعتها التضريسية لديها شبكة من الملاجئ والتحصينات والقواعد العسكرية تحت سطح الأرض وفي أعماق الجبال لا نظير لها في العالم، ما يجعلها في غني عن الحاجة الي تخزين أي معدات أو أسلحة في أراضي دولة أخري. لذا فالحقائق تشير بوضوح أن هدف الغارة الاٍسرائيلية الأخيرة علي الأراضي السورية ليست الأسلحة الكيماوية ولا المعدات الكورية، وانما الهدف الحقيقي الذي يكمن وراء هذه الغارة المتزامنة مع المناورات البرية الواسعة النطاق التي أجراها الجيش الاسرائيلي مؤخراً علي الحدود مع سورية في رغبة القيادة الاسرائيلية بتصعيد الموقف مع سورية بهدف جرها الي حرب جديدة، وايجاد مبررات تكون كافية لتوجيه ضربة عسكرية اليها، فمن وجهة نظر القيادة الاسرائيلية الحالية سواءً علي المستوي السياسي أو العسكري أن الحرب علي سورية باتت ضرورة حتمية تفرضها الظروف التي تمر بها اسرائيل والمنطقة وهي ملائمة جداً لكي تحقق اسرائيل عدة أهداف ومكاسب في آن واحد اذا نجحت في توجيه ضربة سريعة وناجحة لسورية. فالقيادة الاسرائيلية تبحث عن مخرج للتخلص من وصمة الفشل التي لحقت بها نتيجة الحرب الأخيرة علي لبنان، واخفاقها في تدمير البنية العسكرية لحزب الله، كما تسعي الي اعادة الثقة الي الجبهة الداخلية التي أصيبت بالذعر وخيبة الأمل لعجز القيادة الاسرائيلية عن التصدي للهجمات الصاروخية لحزب الله التي طالت المدن الاسرائيلية، واعادة الاعتبار الي صورة ومكانة الجيش الاسرائيلي التي اهتزت كثيراً نتيجة التقصير الميداني في تلك الحرب، وابعاد الدور الايراني عن المنطقة والتي تشكل سورية ركيزة مهمة له، واضعاف المقاومة العراقية وحزب الله والفصائل الفلسطينية المتطرفة، واجبار سورية علي التوقيع علي معاهدة سلام بشروط اسرائيلية، وذلك لادراك أمريكا واسرائيل أن لا شرق أوسط جديدا بدون سورية.