حتى اللحظة ليس هناك صورة واضحة للوضع الذي وصلت إليه العلاقات بين دمشق والرياض، فالتأكيدات "الديبلوماسية" ربما لا تكفي لتفسير عددا من الظواهر الخاصة بهذه العلاقة، وربما من أهمها تركيز وسائل الإعلام الممولة من الرأسمال السعودي على الشان السوري.

وخلال يوم واحد فقط كان هناك على الأقل حدثين يمكن أن يكشفان ظاهرة "الصراع الإعلامي" ولكن ليس بأسلوب الستينات، بل بأحدث التكوينات والنظريات الإعلامية، حيث تحطمت امس طائرة سورية وكان ملاحظا ان قناة العربية سارعت إلى نقل الخبر والحديث عن "طائرة عسكرية"، وهذا الخبر بقي في "الشريط الإخباري" للعربية رغم صدور بيان رسمي حول الموضوع.

عمليا فإن "تحطم" الطائرات نتيجة حادث لا يشكل حدثا إلا من حيث "الضخامة"، أما عندما تتحطم طائرة وطاقمها مع ركابها لا يتجاوز الثلاثة، فغالبا ما يصبح خبرا ثانويا. لكن "الرصد" باتجاه سورية يتم اليوم من قبل ثلاث جهات:

- الأولى الصحف الأمريكية التي تجدد حملاتها القديمة حول نفس المواضيع، فاليوم عادت الواشنطن بوست للحديث عن خبراء كوريين شماليين أصيبوا خلال الاعتداء الإسرائيلي.

- الثانية الصحافة الإسرائيلية التي تبدو مسكونة بـ"الهاجس السوري"، فسيل التحليلات المستمر يوحي بأن الإعلام الإسرائيلي يراقب بشكل واضح "الواقع" السوري، وربما يفسر ما يحدث وفق نظرياته الخاصة بـ"الأمن والدفاع".

- الثالثة هي الإعلام "المصنف" بأنه تابع لبعض الممولين من المملكة العربية السعودية، ومع استثناء عدد من الصحف اللبنانية، فإننا نلاحظ اليوم ان صحيفة مثل "المدينة" أصبحت تملك في بعض الأحيانا "سبقا" إخباريا حول سورية.

المشكلة هنا ليس في اللاهتمام بل في نوعية التركيز بل في تكامله مع الظرف السياسي. فصحيفة مثل "الشرق الأوسط" مثلا نقلت اليوم خبرا عن لقاء خادم الحرمين الشريفين بالملك الأردني عبد الله الثاني وذيلته بلقاء على مائدة الإفطار ضم أيضا رفعت الأسد... هذا الأخبر استحوذ على اهتمام خاص عند عرض عناوين الصحف، فكان الحديث عن اللقاء هو من منظور مرتبط بـ"الخبر المتمم" المتعلق برفعت الأسد.

مثل هذه الوقائع توحي بشكل واضح أن هناك "بيئة" خاصة يتم التحضير لها، إن لم يكن على المستوى السياسي، فعلى الأقل إعلاميا عبر التركيز على "نوعية الخلاف" أو استمراره. فمحطة العربية أيضا وعبر برنامج يفترض أنه "خلافي" ويثير الأسئلة تقدمه جيزيل خوري استضاف "مأمون الحمصي" وبغض النظر عن سوية هذه الحلقة لكنها أوضحت أن التعامل الإعلامي بشأن الخلاف السوري – السعودي لا يقتصر في عدد من وسائل الإعلام على نوعيته وطبيعت السياسية بل يتم استخدام أدوات جديدة للتعامل معه وتعميقه بطريقة أو أخرى.

مهما يكن من أمر فإن الإعلام حتى اللحظة لم يضح هذا الخلاف "عالمكشوف" ليوضح نوعية التباين التي برزت قبيل اغتيال الرئيس رفيق الحريري وتطوراته أو ارتباطه بالصراعات الإقليمية بعد احتلال العراق، والتركيز الإعلامي الحالي على عدد من القضايا الجانبية يشكل ضغطا سياسيا وليس تفسيرا أو متابعة للمشكلة...