في آب الماضي، ظهرت شعلة لهب فجأة في أفق القطب الشمالي فوق بحر البارينتس، وصبغت الغيوم المنخفضة فوق المرفأ النرويجي في هامرفيست بطيف برتقالي متوهج. وبحركة نشطة ضخمة، توسعت الشعلة فوق المحيط المذرو بالرياح والصخور الرمادية المتجعدة، وكادت تنافس لوهلة شمس الصيف القطبي التي لا تغرب. حينها، بدأت أنظار العالم تلتفت إلى القارة المتجمدة المنسية، قيد الذوبان، وطفا الكلام عن «شرق أوسط جديد» يخبئ في طيات جليده ربع احتياطيات العالم غير المكتشفة من الطاقة. لكن ما يجعل من هذا العام بالأخص مفصلاً دقيقاً في مسألة الطاقة القطبية، هو ما شهدته القارة المتجمدة هذا الصيف للمرة الأولى في تاريخها: تأمين معبر بين المحيطين الهادئ والأطلسي، قد يشكل طريقاً تجارية دولية جديدة، بعد قرون من البحث المضني الذي أودى بحياة مئات المستكشفين عن طريق يصل آسيا بأوروبا. والفضل (إذا صح التعبير) في ذلك، يعود إلى ظاهرة التغير المناخي، الذي يغير شكل القارة القطبية الشمالية، حيث باتت المساحات الجليدية التي تطفو على معظم المحيط القطبي أصغر بنسبة 25 في المئة على الاقل مما كانت عليه قبل 30 عاماً. والأخطر، وفق ما تؤكد مجلة «تايم» أن الثلج يذوب «من القاع، لا من القمة». وقد ظهرت علامات سباق غير معلن صوب القارة القطبية بقوة في الآونة الاخيرة. فاخترق فريق روسي قاع المياه القطبية، في الثاني من آب الماضي، حيث زرع علماً روسياً. وفي مطلع أيلول الماضي، أطلق الروس صواريخ موجهة أثناء تمارين في القارة المتجمدة. وفي العاشر من آب الماضي، طار رئيس الوزراء الكندي ستيفن هاربر إلى قرية ريزولوت الصغيرة ذات الـ250 نسمة في جزيرة كورنواليس في شمالي مقاطعة نونافوت، وأعلن عن خطط لبناء مركز قطبي للتدريب العسكري، ومرفأ جديد في المعبر الشمال غربي. بعدها، شرع علماء دنماركيون مراكبهم في حملة لاستكشاف قاع المحيط شمالي غرينلاند. وكي لا يكونوا الخاسرين، أرسل حرس الشواطئ الاميركي مهمة بحرية مماثلة إلى شمالي ألاسكا. وحثت حمى السباق إلى القطب الشمالي لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الاميركي، إلى تحديد جلسات استماع خلال الشهر الحالي من أجل الدفع للتصديق الاميركي على اتفاقية دولية حول قانون البحار، صدرت في العام ,1994 وعارضها الجمهوريون حتى الآن. هل ثمة كنز حقيقي؟ فيما لا تزال مقدرات الاحتياطيات المخبأة في قلب الجليد القطبي غير رسمية، رجح تقرير صدر عن دائرة المسح الجيولوجي الاميركي في العام ,2000 أن القطب الشمالي يحوي 25 في المئة من الاحتياطيات العالمية غير المكتشفة من النفط. وفي الشهر الماضي، أعلنت الدائرة ذاتها أن إجمالي احتياطيات النفط في غرب غرينلاند توازي 31.4 مليار برميل، (وهو ما يماثل نحو أربعة أعوام من الاستهلاك النفطي الأميركي)، يعتقد أن معظمها موجود في بحر البارينتس. أما في المياه الروسية، غربي حقل سنوهفيت النرويجي، فيمتد حقل شتوكمان الذي يضم احتياطياً من الغاز يعتقد أنه يوازي عشرة أضعاف سنوهفيت. وكان أول انبعاث للغازات الطبيعية من حقل سنوهفيت بمثابة وعد بشّر بفجر مرحلة من صناعة النفط والغاز في القارة القطبية، خارج حدود ألاسكا. وأخيراً، صار في وسع شركة «ستاتويل» البترولية المملوكة من الحكومة النرويجية، اليوم، أن تستثمر احتياطيات الطاقة المحتملة والتي يتوقع أن تنتج ما يساوي 1.4 مليار دولار من الغاز الطبيعي المسيّل كل عام، طوال 25 سنة من الآن. لكن مقولة أن القارة القطبية ستكون بلاد النفط الجديدة لا تقنع الجميع. وقد خلصت دراسة أجراها الخبيران وود ماكينزي وفوغرو روبرتسون في العام الماضي، إلى أن احتياطيات الطاقة القطبية قد تكون «مخيبة». جليد مَن هو؟ هو السؤال الجوهري في خضم هذا الجدل الذي يزداد احتداماً، كلما ازداد ذوبان الجليد في القارة القطبية. وفق تدابير اتفاقية الامم المتحدة حول قانون البحار، تملك أي دولة حقوقاً اقتصادية حصرية في ثروات المياه التي تمتد على مسافة 370 كيلومتراً من شواطئها، يمكن لدولة تمديدها إلى 647.5 كيلومتراً، وفقاً لامتداد ركامها الساحلي. وهذا ما يفسر تهافت روسيا والدنمارك وكندا على استغلال وجود تلال «لومونوسوف» المغمورة بالمياه لتوسيع مساحة الأراضي القطبية التي تسيطر عليها كل من هذا الدول. وتمتد هذه التلال، التي سميت تيمناً بباحث روسي من القرن الثامن عشر ولد قرب شمالي مدينة أرخانجيلسك الساحلية، تحت الأراضي القطبية الجليدية من جزيرة إيليزمير شمال كندا إلى غرينلاند الدنماركية، إلى الجزر النيوسيبيرية الروسية. ووسط هذا السباق المحتدم، من الصعب التصور أن الولايات المتحدة ـ التي تشكل قارة قطبية شبه مستقلة بفضل ألاسكا ـ ستقف متفرجة. إذ أرسل حرس الشواطئ الأميركي رحلة إلى القارة القطبية لرصد مناطق امتداد الركام القاري لألاسكا، في شمالي مضيق بيرينغ. يبقى أن الولايات المتحدة بحاجة إلى توقيع اتفاقية قانون البحار، من أجل الاستفادة من آلية «الركام القاري» وتمديد حقوقها الاقتصادية المفترضة، في بلاد «الشرق الأوسط الجديد» في ظل تصاعد هذا الصراع الدولي حول القطب الشمالي.