المعلومات المتوفرة عن زيارة الرئيس بشار الأسد إلى تركية مازالت غير واضحة، لكن المؤكد أن مثل هذه الزيارة تربط بشكل واضح بالدور "الإقليمي" الجديد لأنقرة في خارطة الشرق الأوسط؛ هذا الدور الذي برز بقوة لعد احتلال العراق، فبعد أن كانت تركية تنظر بشكل قوي تجاه دول آسيا الوسطى بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، فإنها اليوم تبدو أقرب إلى الشرق الأوسط أكثر من أي وقت مضى.

الدور الإقليمي التركي ظهر بوضوح بعد تسرب أنباء عن وساطة لها في عملية السلام في الشرق الأوسط، فرغم أن الإدارة الأمريكية الحالية ليست مستعدة للتعامل مع السلام بالأسلوب الاعتيادي الذي ظهر بعد مؤتمر مدريد، لكن تركية فضلت الدخول في هذه المغامرة بعد تبدلت الحسابات الإقليمية نتيجة احتلال العراق، وهي على ما يبدو ترغب بدو أكبر فتح عليها جملة من التناقضات المرتبطة أساسا برؤيتها للمرحلة المقبلة في الشرق الأوسط عموما.

عمليا فإن جدول الأعمال الذي يمكن أن يبحثه الرئيس السوري في أنقرة يبدو ممتلئا فق التقارير الإعلامية، لكنه من جانب آخر يرتبط بنقطتين أساسيتين:

- الأولى غياب الأفق السياسي لكافة أزمات المنطقة، وربما عدم الاهتمام الأمريكي بإيجاد حلول سياسية على الأخص أن التواجد الأمريكي الكثيف في الشرق الأوسط يبعث على القلق من اندلاع نزاعات وربما "حروب" لا يمكن التحكم بها بشكل سريع.

- الثاني ظهور "قراءات" لجغرافية سياسية في المنطقة ستؤثر على الشكل العام للمنطقة، فالحديث عن تقسيم العراق تزامن مع قرار لجنة في الكونغرس حول مسألة "إبادة الأرمن". وأي تبدل في التكوينات السياسية سيؤدي في النهاية إلى رسم وظائف جديدة للدول القائمة حاليا.

بالطبع فإن العلاقات السورية التركية تعتبر الآن جوهرية لرسم الحسابات القادمة، فالمسألة لا تتعلق فقط بالتعامل مع بعض الإجراءات السياسية التي تحكم اليوم العلاقات الأمريكية – التركية، أو حتى تظهر في الضغوط الأمريكية المستمر على دمشق، لأن الأدوار الإقليمية اليوم تتبدل نتيجة عوامل متعددة يبدو أهمها عدم قدرة الولايات المتحدة في التحكم بالخطوط السياسية في الشرق الأوسط، فسياسة الإدارة الأمريكية في حرب العراق لم تفشل بالمعنى الدقيق للكلمة، لأنها سياسة "مولدة" للأزمات، وكافة التطورات اليوم هو نتيجة التفاوت في ميزان القوى الإقليمي، في وقت تضع في إدارة بوش ممكنات عسكرية ضخمة في الخليج العربي دون أي اعتبار للخطوط السياسية التي يمكن أن يتم عليها بناء مخرج سياسي متكامل لعملية الاحتلال، أو للملف النووي الإيراني أو حتى للملف اللبناني المفتوح اليوم على مصراعيه.

زيارة الرئيس الأسد إلى أنقرة ربما تكون الثانية له منذ تولية مهامه قبل أكثر من سبع سنوات، لكنها إقليميا ربما تعبر عن واقع سياسي خاص بين دول المنطقة، يمكن أن يقودها إلى التعامل من جديد مع أدوارها الإقليمية واعتبار أن الخطوط السياسية المغلقة يمكن أن يُعاد بناؤها وفق صور جديدة.