يوجد في عمان حوالي ألف مسجد، لنتخيل الحالة وهذه الألف مسجد تبث القرآن الكريم والمواعظ وخطب الجمعة والدروس الدينية الإذاعية أو التي تعقد في المساجد، وبعض المساجد كما في البلدات تبث عبر الميكروفون الصلاة نفسها!

الواقع أننا أمام حالة من الفوضى والتشويش في المدن والبلدات تضعف قدرة الناس على العمل وحتى الصلاة وتساهم في أزمة الضجة الهائلة ابتداء، وهي أيضا عملية لا ضرورة لها ولا تخدم أغراض الدعوة والإرشاد، فما يحتاجه الناس فقط هو الأذان وليس غير الأذان، وقد بادرت وزارة الأوقاف في مشروع رائد وجميل وسابق في توحيد الأذان وبثه بصوت واحد جميل وفي وقت واحد عبر جميع المساجد، ولكن الذي يجري من بث الصلاة والخطب والمواعظ والتلاوة يجهض مبادرة الأوقاف الجميلة.

فقد كان توحيد الأذان لمنع التشويش، وما يجري في المساجد هو أصعب بكثير من الحالة السابقة، فأذانا الفجر الأول والثاني على سبيل المثال يسبقان ببث عبر الميكروفون الكهربائي وفائق القوة ببث التلاوة وتستمر هذه التلاوة بين الأذانين ويعقبهما حديث المذيع، ثم تتوالى عمليات بث الإقامة في فوضى وتكرار، وتسمع من بيتك عشرات الإقامات، ويضطر الناس للخضوع على مدى ساعة من الزمان في وقت حرج ومبكر لتأثير الصوت القوي والمتعدد والمكرر والذي لا لزوم له.

وهناك جيران للمساجد لديهم أطفال ومرضى وكبار في السن، ويوجد في المدينة عدد كبير من غير المسلمين من المواطنين والمقيمين ممن لا يعنيهم أن نقتحم عليهم بيوتهم في ساعة مبكرة من الليل بالتلاوة والإذاعة والإقامة وعلى نحو مكرر ومتواصل، ومع استخدام التقنية الحديثة للميكروفونات فإن أصواتها تمتد لمسافات بعيدة وتتداخل مع ميكروفونات المساجد الأخرى، وقد رأيت في بعض البلدات الناس يضطرون بعد كل صلاة للانتظار نصف ساعة على الأقل لأن المساجد تبث الصلاة أيضا وفي وقت واحد ومتداخل لدرجة تمنع الناس من الصلاة في بيوتهم، وكذا المواعط والخطب.

اليوم يملك جميع الناس في بيوتهم محطات للإذاعة والتلفاز ويستطيعون أن يتابعوا المواعظ والدروس في جميع أنحاء العالم، وسيكون ممتعا لهم متابعة الصلاة في الحرم المكي والمدني بدلا من أن تفرض عليهم وقائع الصلوات والخطب في الأحياء المجاورة والبعيدة، والناس جميعها أيضا يستطيعون القراءة والكتابة، وهم على تواصل كبير مع وسائل الإعلام لدرجة أن الإعلام المسجدي أصبح تفصله هوة بعيدة عن واقع الإعلام الديني والسياسي والعام، ولم يعد له ضرورة، ويفرض على المساجد والقائمين عليها أن تنحو في اتجاه جديد مختلف عما سبق وتترك للفضائيات والإذاعات ووسائل الإعلام ما تستطيع أن تقوم به بكفاءة عالية لا يستطيع دعاة المساجد المحلية المنافسة فيها، ويمكن بدلا من ذلك تقديم خدمات علمية وتنموية تهم المصلين الموجودين بالفعل في المسجد بدلا من العملية اليائسة وغير المجدية في محاولة إسماع الناس عبر الميكروفونات مسائل وقضايا سبق الناس الأئمة والدعاة إليها.

أعتقد أن وزارة الأوقاف تحتاج لصيانة مشروعها ومبادرتها في استخدام الأذان وتوحيده لتجعله مقتصرا على الأذان فقط، وأن تمنع بث أي شي آخر قبل الأذان وبعده، وكذلك بث الإقامة والخطب والمواعظ والدروس، فهي أولا تتسبب في ضحة وتشويش، ولا يعتقد أن أحدا يستمع إليها، ولا يحتاج أحد أن يستمع إليها طالما أن لديه إذاعة القرآن الكريم والمحطات المتخصصة بالتلاوة والثقافة الإسلامية وهي كثيرة ومتاحة، وربما نحتاج وهذا هو الأكثر أهمية أن نعيد النظر على نحو استراتيجي في رسالة المساجد ليكون لها دور تعليمي وتنموي جديد مختلف تماما عن الحالة القائمة والتي أصبحت لا لزوم لها ولتكون المساجد جزءا من منظومة التعليم والتنمية في الأحياء والبلدات.