رغم الانضباطية العالية والالتزام بتنفيذ الأوامر بحرفيتها دون نقاش أو تشكيك بصحتها أو جدواها، إلا أن النظام العسكري في أغلب الجيوش أعطى صفة القائد لكل من يتولى مهمة ما، بدءا من أصغر المجموعات حتى أكبرها. فإضافة لقائد الجيش وقائد الأركان يمكننا أن نجد قائد الفصيل، بل حتى المجموعة أو الدورية أو الكمين لكل منها قائد، ليس مديرا ولا رئيسا ولا أمينا أو لا أي تسمية أخرى نعرفها في المؤسسات المدنية. إذن رغم الانضباطية الشديدة في الجيوش تم إعطاء صفة القائد لأي مسؤول عن مجموعة أو مهمة مهما صغرت، ذلك لأن هذا المسؤول في لحظة تنفيذه المهمة سيكون قائدا لها، يتصرف على ضوء تعليماته وأوامره المحددة لكن حسب معطيات الواقع. فإن استجدت هذه المعطيات خلافا للمتوقع توجب عليه هو وحده مسؤولية تقدير آليات جديدة لتنفيذ المهمة، ولو تعارض ذلك مع التعليمات المعطاة له.

ليس موضوعنا البنية الأوامراتية للجيوش، بل حال المسؤولين الكبار في حكومتنا. فأغلب الوزراء والمدراء العامين يكونوا قبل تبوئهم هذا المنصب موظفين تدرجوا صعودا ضمن تراتبية وظيفية قائمة على تنفيذ تعليمات مسؤوليهم الأعلى. ليكونوا مجرد أيد وأدوات إضافية لمديرهم، الذي لا يمكنه القيام بكل مهام المؤسسة أو الدائرة التي يديرها. لهذا نعتبر جميعنا أنه يتوجب على هذه المستويات الوظيفية الوسطى والدنيا الامتثال الحرفي بالتوجيهات المنصوصة مسبقا، حيث يقتصر دورهم على تنفيذها فقط، من دون أي ارتجال أو ابتكار فيها.

هذه الحالة الطواعية التنفيذية يجب أن يتخلى عنها هذا الموظف بعد ارتقائه إلى موقع المسؤولية الأكبر، أي مدير عام وما فوق. ففي هذه المراتب يجب أن يتحول الموظف إلى قائد، ما يرتب عليه أن يكون صاحب مبادرة وابتكار، وليس مأمورا ومجرد موظف تنفيذي. طبعا هذا لا يعني أن يتصرف على هواه، بل وفق القانون والخطة الوزارية. كحال الجندي القائد عندما يكون في أرض المعركة: لديه التعليمات والخطة، ولديه ما هو أهم من ذلك: هدف محدد يجب تحقيقه؛ فإن استحال عليه تحقيق هدفه باستخدام التوجيهات التي تلقاها، عليه حينئذ ابتكار الوسائل الكفيلة لتحقيقه. هذا إذا أراد خدمة وطنه، أو أراد أن يكون بطلا وليس مجرد مأمور.

أما وزراؤنا ومدراؤنا العامون، ومن في مقامهم، فإنهم مجرد موظفين كبار، وأحيانا كبار جدا جدا. فنجد واحدهم، أو مجموعهم، يتباهى بإنجازه التعليمات، وانضباطه في تنفيذها، وعدم خروجه عن النواظم الإدارية. ويكون حاضرا دوما لتقديم كل المبررات "المنطقية" التي تشفع له عدم تحقيقه هدفه أو مهمته الموكلة إليه. فلا تجد في أجوبته أي اختلاف عن أجوبة الموظف المأمور الأدنى منه درجات. هذا لأنه لا يتمتع بصفة القيادة. فالقائد يمكن أن يفوز وينتصر، وفي المقابل يمكن أن يُهزم: لكنه يبقى قائدا. يذكره مرؤوسوه والآخرون دوما بأنه صاحب ذاك العمل أو تلك البطولة. فمَن مِن مسؤولينا يذكره الناس ببطولاته!! فالمذكور منهم يكون إما بمساوئ أفعاله، كأن ينتحر أو يفر خارج البلاد أو يحال إلى محكمة، أو يذكره الناس من طول بقائه في منصبه، حتى إذا تقاعد ومات يظل البعض يعتقد أنه مازال على رأس منصبه لم يستبدل بآخر.

ما أقوله بسيط، فوزير الكهرباء مهمته الموكلة إليه هي تأمين الكهرباء إلى جميع السوريين على مدار الساعة، وتأمين جباية الفواتير، علاوة على تأمين موظفي وزارته ومؤسساتها. كذلك مهمة وزير المياه، ووزير الاتصالات، ووزير النقل وأغلب الوزراء والمدراء العامين. فجميع هؤلاء ما عدا البعض كوزير الثقافة الذي تحولت مهامه على ما يبدو إلى سفير للثقافة في أقاصي العالم، ووزير الإعلام الذي كرس مهمته كناطق رسمي غير معتمد، جميعهم مهامهم واضحة، يترتب على كل منهم تحقيق الهدف الذي حدده له القانون والخطة الوزارية، وإنجاز مهمته بأي وسيلة شرعية توافرت بين يديه، من دون أن يحتفظ في خزينة مكتبه مبررات إدارية وروتينية مسبقة لعدم تمكنه من إنجاز مهمته. عندها سيكون واحدهم بطلا، فاز بمعركته أم هزم. لكن مع الأسف فإن المسؤول عندنا لا يسعى لنيل مجد البطولة، بل كل مسعاه، إضافة للاحتفاظ بمنصبه كموظف كبير جدا، أن يضمن خروجه من منصبه سالما آمنا غانما، وأن ينفد بريشه، ليس ريشه الذي جاء به بل ريشه الكثيف الذي اكتساه من موقعه الجديد.

إذا أراد المسؤول أن يكون قائدا، ويجب عليه أن يكون كذلك، عليه أن يدرك أننا لا نهتم بكل مبررات فشله والذرائع التي يرميها في وجه الإعلام، بل اهتمامنا يتركز حصرا على المهمة الموكلة إليه: نصفق له إن حققها، ونصفق له إن هُزم في معركة تحقيقها، فبالحالتين سيكون بنظرنا بطلا.