ما لم تقم به السياسية قام به الإعلام قبل زيارة الرئيس بشار الأسد إلى أنقره وربما بعدها، فالانفراج في العلاقات الإقليمية لا يبدو مدخلا لإعادة ترتيب المسائل في الشرق الأوسط، وما كان يحلم به الرئيس جورج بوش "بتساقط الأنظمة السياسية" مثل أحجار الدومينو بعد احتلال العراق، يشكل اليوم "أزمات متلاحقة" دون أن يعني أن الاستراتيجية الأمريكية استطاعت الوصول لنقطة البداية في "علاقاتها الجديدة" مع المنطقة.

فأزمة العلاقات السورية – العراقية ليست جديدة، وهي ملف مفتوح رغم الانفراجات، لكنها اليوم تطل عبر بوابة "تركيا" وليس من أي زاوية أخرى، فالإعلام الذي نقل سابقا ترجمة خاطئة لكلام لمندوب السوري في الأمم المتحدة، أو أوجد مجموعة من "الافتراضات" حول الاعتداء الإسرائيلي على سورية، استطاع أن يضع الأزمة العراقية – التركية على أجندة زيارة الرئيس السوري إلى أنقرة، رغم أن التصريحات السورية قبل الزيارة لم تتحدث عن هذا الموضوع، لكن تداعي الأزمات دفع هذا الموضوع إلى الواجهة، وكان واضحا منذ بداية الزيارة أن صورة العلاقات ما بين أنقرة ودمشق لم تضح بعد في خارطة المنطقة رغم كل التحليلات التي سبقت هذه الزيارة.

قانونيا فإن كافة التصريحات السورية حول أزمة حزب العمال الكردستاني كانت ضمن الإطار الذي يحكم علاقات الدول، لكن التبدل الذي حصل يكمن في:

- أولا في نوعية الترتيبات الإقليمية التي اتفقت على "مسؤولية الاحتلال" في العراق حول ما يجري، فالمسألة هنا تجاوزت التوافق في الرأي إلى التعامل السياسي مع الأزمة، فتركية تعرف أن دمشق تملك ملفا كاملا من الأزمات المتعلقة بالاحتلال الأمريكي للعراق، لكنها في نفس الوقت تعرف أن هناك علاقات تاريخية تربطها مع مجموعة من القوى والتيارات العراقية. هذا الأمر دفع البلدين للانتقال إلى مسألة "وحدة العراق" من زاوية مسؤولية الاحتلال في الحفاظ على هذه الوحدة، وعدم السماح لأحداث العنف أن تصبح قانونا يطال حتى دول جوار العراق.

- ثانيا: إن دمشق وأنقرة تعرفان تماما أن الأزمة الحالية في العراق لا ترتبط فقط بمواقف الأطراف العراقية فقط، بل أيضا بوظائف الاحتلال، وبالاستراتيجية الأمريكية المستقبلية تجاه المنطقة عموما. هذا الأمر دفع البلدين إلى إعادة صياغة العلاقات الإقليمية بينهما من جديد، فدخلت أنقرة ضمن وساطة سلام أو تسوية، بينما أصبحت دمشق نقطة ارتكاز في التوازن ما بين أنقرة وباقي قضايا المنطقة.

عمليا فليس من المتوقع أن تصبح العلاقات السورية – التركية مثار جدل إقليمي بقدر كونها "محركا" لعدد من المسائل، فهذا التقارب كان احد عومال الضغط التي دفعت لظهور تصريحا أمريكيا بشأن ضمان الحدود التركية – العراقية، وهي أيضا نقطة انطلاق لإعادة النظر بمسألة التسوية على أنها شأن إقليمي أيضا وليس دولي، فحتى لو كانت "الوساطات" في هذا الموضوع غير فاعلة في ظل "الرفض" الأمريكي اليوم للتسوية، لكنها تنقل بعضا من الأوراق السياسية باتجاه الشرق الأوسط بدلا من أن تبقى مبعثرة في أروقة الإدارة الأمريكية.

التصريحات السورية وما أثارته من اهتمام إعلامي هي في نهاية صورة لتداعي الأزمات في الشرق الأوسط، لكنها وربما لأول مرة تظهر هذا التداعيات إقليميا ويتم التجاوب معها إقليميا أيضا دون حاجة لتصريحات أمريكية، أو لبيان رئاسي من مجلس الأمن، أو حتى لقرار من الأمم المتحدة تحت البند السابع، فهي تداعيات يتم التعامل معها ضمن العلاقات الإقليمية، والتداول فيها وفق مصالح دول المنطقة قبل كل شيء رغم وجوع "العامل" الأمريكي بقوة في الشرق الأوسط.