عكست الزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس السوري بشار الأسد لتركيا واستغرقت اربعة أيام مدى التقارب الذي طرأ على العلاقات بين البلدين منذ الزيارة التي قام بها الأسد الى تركيا عام 2004 وقد لخص الاسد هذا التقارب بقوله خلال لقاء مع رجال الاعمال قوطع خلاله مرات عديدة بالتصفيق «في المرة الاولى شعرنا اننا نزور اخوتنا، أما اليوم فإنني أشعر انني في منزلي وهذا ليس موقفا سياسيا وانما موقف شعبي سوري وأنا أمثل الشعب السوري واتحدث باسم هذا الشعب».

تاريخيا لم يسبق ان كانت العلاقات التركية - السورية بهذا المستوى من الانفتاح والحميمية، فما الجديد الذي أدى الى هذا التطور في العلاقات؟

تركيا عضو في حلف الاطلسي ولها علاقات مع اسرائيل ولكن منذ اندحار الاحزاب العلمانية من مسرح صنع القرار التركي وسطوع نجم التيار الاسلامي المعتدل الذي يمثله رجب طيب اردوغان رئيس الوزراء وعبدالله غول رئيس الجمهورية بدأت تركيا تلتفت الى جوارها الطبيعي مؤثرة وضع حد لإدارة الظهر للمنطقة دون التفريط بمكتسباتها على صعيد علاقاتها مع أوروبا والولايات المتحدة واسرائيل. وهذا قد يكون صحيحا على المدى المنظور ولكن على المدى الاستراتيجي تدرك تركيا ان سوريا والعراق تشكلان عنصرا هاما في المنطقة وبالتالي فإن استمرار القطيعة معهما ليست في صالحها. وان ذلك يحقق اهداف أميركا واسرائيل على حساب مصالحها الحيوية ومن هنا جاء رفض تركيا السماح للولايات المتحدة باستعمال قاعدة انجرليك لغزو العراق. وهذا ما جعل سوريا وتركيا تؤكدان على رفضهما لتقسيم العراق.

على المدى الاستراتيجي ادركت الولايات المتحدة أنها لن تستطيع الركون الى قاعدة انجرليك وبالتالي سعت الى اقامة قاعدة في لبنان الذي تتوافر فيه مواصفات شبيهة بقاعدة انجرليك من حيث توافر البحر والبر والجو لكي تمارس منها هيمنتها على المنطقة العربية وخصوصا منابع النفط.

بالنسبة لسوريا التي تتعرض لحصار وتهديد من الولايات المتحدة فقد وجدت في التطور الايجابي لعلاقاتها مع تركيا كسرا للعزلة التي تحاول الولايات المتحدة فرضها عليها، وخلال عام 2007 وصل التبادل التجاري بين سوريا وتركيا الى حوالي مليار دولار.

لاشك ان مساعي تركيا للانضمام للاتحاد الأوروبي وما تواجهه تلك المساعي من عراقيل ومماطلة وتشكيك قد انعكست ايجابيا على انفتاح تركيا على سوريا اضافة الى المخاوف من احتمال تأييد الولايات المتحدة لانفصال أكراد العراق في اطار تقسيم العراق. وهذا يخلق مشاكل لكل من تركيا وسوريا وهو ما وصفه الرئيس الأسد بالقنبلة التي ستفجر الشرق الأوسط.

وفي الوقت الذي تضغط فيه الولايات المتحدة على تركيا باتخاذ قرارات في الكونغرس حول اتهام تركيا بارتكاب مذابح إبادة جماعية ضد الأرمن تسعى سوريا الى الوساطة بين تركيا وجمهورية أرمينيا لحل هذا الملف وديا والأخذ بمبدأ التطلع الى المستقبل المشترك بين تركيا وأرمينيا بدلا من التطلع الى الماضي. وهكذا حثث المصالح المشتركة لتركيا وسوريا على تطوير علاقاتهما إيجابيا، وهذا لم يكن ممكنا دون التغيرات السياسية التي شهدتها تركيا.

مصادر
الوطن (قطر)