عندما تكون أية حركة سياسية أو مسلّحة في السلطة، فلا بدّ من أن تصبح على غير ما كانت عليه وهي خارجها، لا سيما إذا كانت ذات طابع قومي أو ديني، لأن متطلبات العمل السلطوي تختلف تماماً عن متطلّبات العمل المعارض، وتقتضي التعامل السياسي بشكل مختلف مع الأمور ذات الطابع الدولي، أي أنها سرعان ما تفقد أساسها الايديولوجي، وتختصره ضمن الإطار المحلي، وتحاول فرض سلوكياتها على «الحركات الشقيقة» في الدول الأخرى، أو تحاول تكريس نشاطات تلك الحركات لمصلحة كيانها السلطوي. وعند تناول القضية الكردية في العراق، لا بدّ من الفصل بين الحركة الكردية المسلّحة، التي انتهت في عام 1991 الى محمية أميركية، وبين ما كانت عليه قبل ذلك التاريخ، عندما كانت تضم عناصر وطنية حقيقية، رغم كل ما أُثير حول علاقاتها ،أو علاقات قياداتها المشبوهة مع الخارج الاقليمي والدولي، وحتى الإسرائيلي. وهكذا تحوّلت الحركة «الثورية» الكردية إلى «دويلة موظّفين» يعتاشون على حساب الصدقات الخارجية، التي لم تكن مجّانية. إنّ ما يقود إلى هذا الحديث، هو التصريحات النارية لبعض المسؤولين الأكراد، والتي تفيد بأن الأتراك سيلاقون مقاومة ضارية منهم إذا توغّلوا في إقليم كردستان العراق، في الوقت الذي يقولون فيه إن حماية الإقليم من مسؤوليات الحكومة المركزية وقوات الاحتلال «الصديقة»، لكنهم في كل سلوكياتهم يناقضون ذلك عندما يمنعون دخول الجيش العراقي إلى الاقليم، ويتصرفون ككيان مستقل، بل وككيان توسعي حسب مصالحهم الذاتية، شأنهم شأن بعض الدول الإقليمية، حتى اصبحوا متهمين بالعديد من العمليات التخريبية الكبيرة وتوقيعهم عقوداً نفطية من دون موافقة الحكومة المركزيّة. وهنا تبرز الازدواجية في مواقف القادة الأكراد الذين يبحثون عن غنائم سلطوية في الداخل، بينما يتنصّلون من إخوتهم أكراد تركيا، ويستنكرون أي عمل يقومون به على غرار ما كانوا هم يفعلونه ضدّ الحكومات العراقية السابقة. لكن في الوقت نفسه لا يمكنهم معاداتهم، لأن الإجهار بذلك يعني إلغاء الفكر القومي الكردي لديهم، إضافة إلى احتياجهم للظهير الكردي التركي، حتى في الشأن العراقي الداخلي، ذلك أنّ مقاتلي حزب العمال الكردستاني الأتراك معروفون بشدّة بأسهم، على عكس «البشمركة»، الذين تحوّلوا إلى موظّفين وحرس حدود لا قدرة لهم على القتال. ولا نريد هنا النيل من البشمركة، بل نذكر وقائع تؤكّد أنّ عديد هؤلاء، هو غير العدد المعروف لمن كانوا يقاتلون فعلاً، والذين تمّت تصفية الكثير منهم على يد ميليشيات مسعود البارزاني، وخصوصاً قادة معارك «هندرين» و«زوزك»، أو الذين تمّت تصفيتهم على يد جماعة جلال الطالباني في مجزرة «بشت اشان». وللتذكير ليس أكثر، إن ما يسمونها انتفاضة 1991 في أعقاب حرب الكويت، انتهت بلمح البصر، فور سحب الغطاء الاميركي ـــــ الايراني، وإن حركة مصطفى البارزاني انتهت فور توقيع اتفاقية الجزائر بين العراق وايران، وإن لواءً من الحرس الجمهوري سيطر على أربيل وطرد جماعة الطالباني منها، بعدما طلب مسعود البارزاني مساعدة صدّام. وكانت معارك «هندرين» و«زورك» قد هزمت لواءً مجحفلاً مع القوات الساندة، بستّين مقاتلاً فقط كانوا من الشيوعيّين. وهذا يعني الكثير، لأنّ القادة الأكراد فقدوا شعبيّتهم، ولم يعد لديهم مقاتلون مبدئيون كالسابق، وهم، حتى وإن كانوا قد استولوا على الكثير من الدبابات والدروع، وطائرات الهليوكوبتر ، ونقلوها إلى الشمال إثر حرب 2003، إلا أنهم يفتقرون للروح القتالية، فهذه الأسلحة كانت لدى الجيش السابق، ولم يستخدمها لأنه لم يكن مقتنعاً بسياسة الحكّام آنذاك، فهل سيستخدمها «البشمركة الجدد» وهم مجرد موظفين أو منتفعين بينما الشعب الكردي محروم من أبسط مستلزمات المعيشة؟ وفي الواقع، لم يكن وضع البشمركة أفضل حالاً حتى بعد إنشاء محميتهم في 1991، إذ استمر القتال المصلحي من أجل إيرادات المنافذ الحدودية زهاء عشر سنوات، بين فصيلي الطالباني والبارزاني، وذهب ضحية هذا الاقتتال الآلاف من الأكراد. وعندما جمعهما جورج بوش، وأصلح بينهما للاستفادة منهما في مخطّط غزو العراق، اتفق الفصيلان على مقاتلة جماعة «أنصار الاسلام» في قريتي بياره وطويله الحدوديتين، وكان عدد مقاتلي «أنصار الاسلام» آنذاك أقل من 300، ومع ذلك فشلت قوات الفصيلين معاً في الوصول إلى القريتين، حتى تمّ قصفهما من القوات الاميركية عام 2003. واليوم، في ظلّ التهديدات التركية، هل يجد نظام الطالباني ـــــ البارزاني من يدافع عنه، لا سيما بعدما استغلّ مواقع السلطة لقمع أي صوت معارض في كردستان وخارج الاقليم، وبعدما شرع الرجلان بمغازلة دول الجوار وترحيبه بمقترح نقل القاعدة العسكرية الاميركية من أنجرليك في تركيا إلى شمال العراق؟