على مدى عشرات السنين عمل علماء الآثار الاسرائيليون في خدمة الصهيونية ، فقد ركزوا على المواقع التي تناسب احتياجات الحركة الصهيونية وفسروا مكتشفاتهم بشكل يرسخ زعم أسبقية الوجود العبري في ارض اسرائيل ومصداقية كتب التوراة كوثيقة تاريخية. لقد كان هذا جهدا رسميا منظما يرمي الى ترك بصمة علمية على "الكوشان" الذي تلقيناه من الله ومن اللورد بلفور ، الجمهور شارك في هذا الجهد: فعلم الآثار كان الأحب بين الفروع العلمية ، والكثيرون عملوا فيه كهواية والصحافة غطت بتوسع مكتشفات علماء الاثار والتفسيرات التي تركز على الذات لهذه المكتشفات. شخصيات معروفة كرست نفسها للتنقيب في قبور البلاد وبرع يغئال يادين ، رئيس الاركان الذي كان عالم آثار هام ، وموشيه ديان ، رئيس الاركان الذي كان حافرا خبيرا وجامعا للآثار أقام متحفا في ساحته ، وفي بداية الستينيات عندما نظم يادين وفودا للحفر في متساده والتنقيب في الكهوف في صحراء يهودا ، أُرسل الجيش لمساعدته وهرع مئات المتطوعين لمساعدته ، وعظام بشرية اكتشفت في نتساريم في الصحراء اعتبرت عظام مقاتلي بار - كوخفا ، وأُجريت لهم جنازات عسكرية برعاية الحاخام شلومو غورين ، التشخيص كان يغيب عنه الاساس العلمي ، ولكن غاية الحملة السخيفة لم تكن علمية بل تربوية. لكن زخم الآثار هدأ ، ربما لاننا لم نعد نحتاج لترخيص بأن البلاد هي بلادنا ، وتحلل علم الآثار من الحمل الايديولوجي الذي أثقل عليه ، بل ان هناك علماء آثار يتجرأون على الادعاء بأن الكثير من الاحداث الحاسمة التي روتها التوراة لم تكن ولم يكن لها أي أساس ، وهذه المزاعم حتى لو كانت صحيحة ، لا تضعف حجة الحق النابعة من تمسكنا بها: لا يغير في الامر شيء اذا كان العبرانيون قد ورثوا البلاد حقا كما ورد في سفر يهوشع ، أو اذا كانت مملكة داود وشلومو قوة عظمى اقليمية كما يصفها سفر الملوك ، المهم هو انه على مدى 2500 سنة كانت هذه القطعة الصغيرة من الارض هدف أماني اليهود. وعليه ، لماذا ينبغي لنا أن نجتهد لنكتشف المزيد فالمزيد من البلدات العتيقة التي غطتها رمال الأجيال؟ الجواب ، سيقول العلماء ، هي الرغبة في المعرفة ، التي تحرك الباحثين في كل مجالات العلم. "الحوض المقدس" ، ولا سيما الحرم ومحيطه ، هي بؤرة المواجهة ، فالقدس تجتذب علماء الآثار ليس فقط لان ارضها مليئة برموز قد تكون حلا لألغاز تاريخية بل لانه في هذه الساحة يتركز الصراع من اجل تأكيد حجة الحق ، ففي محادثات "كامب ديفيد" اقترحت اسرائيل حلا وسطا غريبا: ساحة الحرم تعطى للفلسطينيين ، وبطن الارض - لليهود ، أصرينا على الحفاظ على بطن الارض ، التي قد يكمن فيها البرهان المطلق على وجود الهيكل الاول. وفي تقرير نشر في صحيفة "يديعوت احرونوت" في نهاية الاسبوع روى عوديد شالوم وجدعون مارون عن الحفريات التي تثير حفيظة المسلمين ، وهم يسمعوننا في أعماقهم ننبش في باطن الحرم كي نهدم مساجدهم. يقال انه لا يمكن استشراف المستقبل دون معرفة الماضي ، وأنا لا أنكر ذلك ، ولكن اذا كان السعي لاكتشاف لغز الماضي ينكل بالمستقبل ، فلعله من الاجدى أن نكتفي بما نعرفه والتخلي عن شظايا معرفة سيكون دوما ممكنا تفسيرها بأشكال مختلفة ، ولن يلحق بنا ضرر كبير اذا ما وافقنا على منع الحفريات لبضع سنين في الحوض المقدس ، فلتبقى الامور على حالها ، أما الفضول فستأتي ايام أفضل لنشبعه.

مصادر
يديعوت أحرنوت (الدولة العبرية)