من الصعب تجاوز الخطاب السياسي والإعلامي بخصوص الأكراد اليوم، فمسألة "حزب العمال الكردستاني" انتقلت فجأة إلى شأن إقليمي، و "اعتداء" على سيادة دولة بينما بقي الشق الآخر غائبا، فليس بعيدا عن التوتر الحالي ما صدر من رؤية حول تقسيم العراق، وتصاعد المسألة الكردية بحد ذاته لا يشكل محور ما حدث، لأن حزب العمال الكردستاني أساسا ليس شريكا في "إقليم كردستان العراق"، كما ان رئيس "إقليم كردستان" مسعود البرزاني اعتبر أن العراق لن يقف طرفا في النزاع القائم بين الحكومة التركية وبين حزب العمال الكردستاني، ودعا "الاطراف المتخاصمة" الى تجنب الحرب.

هذه المواقف التي تحاول تحييد الإقليم عن الصراع الدائر تعيد إلى الواجهة مسألة "التوزع الكردي" بالدرجة الأولى، وفي المقابل التعامل مع الأكراد في العراق بغض النظر عن الشرق الأوسط بكامله، فالعراق الذي أصبح حسب "الخطاب السياسي والإعلامي" تجمعا بشريا يحوي "أكرادا وسنة وشيعة"، دفع الوضع إلى "مسائل" جديدة وإلى الحديث عن "هويات" يتم بناؤها وفق منطق "الفيدرالية". فمجلس الشيوخ الذي أصدر "قرارا غير ملزم" بتقسيم العراق، نقل آليات التفكير باتجاه تصعيدي آخر يحتوي على:

- تصدير الأزمة الحقيقية لمرحلة الاحتلال باتجاه دول الجوار الجغرافي، فالبوادر الأولى لهذا الأمر ظهرت عبر الأزمة الحالية بين تركية والعراق، وليس بعيدا أيضا أحداث البصرة الأخيرة مع جيش المهدي. فحتى لو افترضنا أن الدستور العراقي يتحدث عن فيدراليات، لكن هذا التقسيم يقوم اليوم في ظل "تواجد الاحتلال"، ومن الصعب معرفة النتائج الكاملة للحديث عن "فيدرالية" تقوم على خلط بين التقسيم الطائفي والقومي، وتتجاوز ان الفيدرالية ترتيب إداري.

- تحويل الأزمة إقليميا، فالشأن الكردي في كل دول المنطقة يتأثر بما يحدث في العراق، لكنه في نفس الوقت قائم داخل دول لها سيادة، والحقوق الثقافية للأكراد لا علاقة لها بالأزمة العراقية في واقعها الحالي، فالحرب التي قامت من أجل "الديمقراطية" هي اليوم حرب أهلية بسبب تجاوز هوية العراق الذي قام على التنوع مثل كل المنطقة، وليس على إحلال هويات جديدة.

ما يحدث اليوم في شمال العراق يتم على أساس تغييب مسؤولية الاحتلال، سواء في الحفاظ على السيادة، أو حتى في إنهاء أي جامع عصري داخل الدول، فالشأن الكردي كما يجب أن نفهمه بواقعه الطبيعي موضوع مستقل عن الاحتلال، وهو يجب أن يعبر عن نفسه خارج الحدث الطارئ الذي تجسد بالاحتلال، وربما على هذا الأمر أن يكون حاضرا اليوم في جوهر الأزمة التركية – العراقية التي تتصاعد نتيجة الظرف الدولي، وليس فقط نتيجة الشأن الكردي.