غالبا، في فترات سابقة، ما كان يُستخدم نعت الوطني لتوصيف وامتداح الرجال ممن يتبوؤن مواقع المسؤولية أو القيادة، للدلالة على أهليتهم للمناصب الموكلة إليهم، إن كان التوكيل من قبلهم أو من قبل رؤسائهم. ولم يكن هذا النعت حكرا على المستويات الإدارية العليا فقط، بل كان يمكن إطلاقه على رجال في مواقع مسؤولية أقل، كمدير مدرسة أو معلم، أو حتى على أي شخص من دون أن يكون متمتعا بصفة اعتبارية.

وقد كانت صفة الوطنية في ذلك الزمان حكرا على الرجال فقط، فلم يكن للنساء حظوة فيها. وذلك إما تسليما بأنهن جميعا وطنيات، أو لتقدير أنهن ملحقات بأزواجهن يتصفن بما يتصفوا به، أو لعدم أهمية الفارق بين أن تكون المرأة وطنية أم غير وطنية كونها ضلع قاصر لا أثر لأفعالها على الحياة العامة.

أما الآن فقد تساوى الرجال والنساء بعدم التعويل على اتصافهم بالوطنية أو بعدمها، وهذا الأمر قد يعود إلى أن جميع السوريين، ما عدا قلة قليلة، قد أصبحوا جميعهم وطنيين بعد أن تم صهرهم في بوتقة دروس التربية الوطنية والثقافة القومية الاشتراكية ومحاضرات التوجيه المعنوي، فبات من نافل القول تداول صفة الوطنية لتمييز بعضهم عن بعض، اللهم ما خلا التمييز بين معارضة الخارج اللاوطنية ومعارضة الداخل الوطنية.

أو قد يكون مرد هذا التساوي بين الرجال والنساء في هذا الموضوع كون الوطنية، كصفة للأفراد، أثبتت عدم جدارتها بعد أن هبش الوطنيون القدامى من مالنا وثرواتنا العامة، أيام عز الوطنية، كل ما غلى ثمنه حتى لو ثقل وزنه. مما دفع بصفة الوطنية إلى أسفل سلم القيم والنعوت بعد أن تصدرت صفة النزاهة، أو للدقة نظافة اليد، قائمة القيم. ونظافة اليد هذه هي نعمة تحل على صاحبها فيكون من غير الفاسدين، الذين لم يسرقوا كميات خرافية من المال العام أو لم يستبيحوا كل سلطاتهم لسرقة كميات مهولة من الأموال الخاصة؛ ويضاف إليهم أولئك الذين لم تكشف السلطات الغطاء عنهم وتجعلهم بين ليلة وضحاها ينتقلون من الفئة النزيهة إلى الفئة الفاسدة، وتحليلها لنا تمريغ سمعتهم بالوحل علناً بعد أن كنا ننتف ريشهم خفية وسراً.

وكما علاقة المرأة بصفة الوطنية فإن علاقتها مع النزاهة والفساد تكاد تكون معدومة. فمن غير المهم اتصاف المرأة المسؤولة بنظافة اليد، ومن غير الدارج أو اللافت اتهام المرأة بالفساد والإثراء غير المشروع؛ ربما لتقديرنا بأنها لو أفسدت فبتحريض من زوجها، أو أنه الملام لعدم تمكنه من القوامة عليها كما يجب.

إن العلاقة التزاحمية بين الثراء والوطنية ليست جديدة، لكنها تغيرت وتبدلت عما كانت عليه فيما مضى، فبعد أن كان كل ثري في السابق مشكوك بوطنيته حتى يأتي ببيّنة عليها، وقد يحتاج إلى أكثر من بيّنة إن كانت ثروته ضخمة، صار الآن كل وطني مشكوك بثروته حتى يثبت أنه جناها بعرق جبينه "الحلال" أو ورثها من عرق جبين ذويه ولو لم تكن حلالا: فالابن لا يجوز قانونيا أو أخلاقيا أو وطنيا أن يؤخذ بجريرة أبيه.

الخلاصة أنه لم يعد الآن مهماً نعت هذا المسؤول أو ذاك (ذكرا أم أنثى) بالوطني، وانتفت الحاجة إلى هذه الصفة لتزكية أي منهم لأي مهمة أو مسؤولية، وما عاد يحتاج لأن يعتد بها أمامنا، أو يعتد أهله باتصافه بها أمام الأغراب. فالوطنية باتت عملة بائدة، لا قيمة لها لا بالأسواق البيضاء ولا السوداء؛ ولا يمكنها أن تطرح سنداتها بسوق بالبورصة.

غير أن الأمر لا يقتصر على عدم تواجد القول أو الصفة الوطنية عند المسؤولين، فهي قضية عامة أو معممة، فقد غابت مصطلحات الوطني والوطنية والوطن عن الخطاب الشفاهي النخبوي والعمومي. ومع تأكيدنا أن قلة استعمال هذه المصطلحات لا يكفي لإقامة الدليل على قلة وطنية غير مستخدميها، غير أن انعدام تداولها المطلق، إلا في "حكي الجرائد" المكتوب أو في الخطبات الرسمية جدا جدا، يلفت النظر ويستدعي التساؤل، ليس عن سبب هذا الانعدام فحسب بل عن دلالاته وتبعاته، خاصة بعد أن تحولت هذه المصطلحات إلى نعوت بقصد السخرية أو التهكم، أو للدلالة على زيف القول وديماغوجيته.

فمن غير السليم التسليم بإحلال عبارة "البلاد والعباد" التي روجها الإخوان المسلمون بدلا عن الوطن والمواطنين، واستخدامها من قبل بعض النخبة السورية بكل طيبة خاطر، فقط للدلالة إلى عدم تحقق المواطنية. ومن غير المقنع اعتماد كتابنا (وقد أكون منهم) في أغلب مقالاتهم مفردات الوطن واشتقاقاته، وانعدام استخدامهم أي منها في أي حديث أو حوار ما لم يكن لصالح محطة فضائية أو ما شابهها. بل الأنكى من هذا أن أهل المعارضة الوطنية أقلعوا عن "استعمال" هذه "الألفاظ" كي لا يتشابه خطابهم مع الخطاب الرسمي لأهل السلطة.