قبل اسابيع اعد المهنيون والباحثون في وزارة الدفاع الاسرائيلية وثيقة بعنوان «كيف سيبدو العراق بعد انسحاب الاميركيين» ووضعوها على مكتب ايهود باراك. ومنذ ثلاثة اشهر يتم التداول في هذا الملف داخل الغرف المغلقة, وكل شيء يجري بسرعة بطيئة لأن موعد الانسحاب من العراق لم يحن بعد. المراسل العسكري لـ«يديعوت احرونوت» اليكس فيشمان قرأ الوثيقة وكتب يقول: الامر اشبه بالهزة الارضية لأنه يتعلق بشرق اوسط جديد. كيف يرى الاسرائيليون ملامح هذه الهزة؟

نقرأ في الصحيفة الاسرائيلية: في بداية الشهر الحالي زار اسرائيل بصورة سرية طرف أمني من دولة مجاورة. المباحثات التي أجراها تعلقت بالامور المقلقة الاعتيادية : «حماس» مثلا, وصعودها في قطاع غزة, الامر الذي يعتبر تهديدا استراتيجيا ليس لاسرائيل وحدها وانما للاردن ايضا. ­1­ الخوف هو أن «حماس» قد تصدر الثورة من غزة الى الضفة, ومن هناك الى الاردن. اجهزة الاستخبارات في اسرائيل توافق على أن هذه العملية محتملة تماما, ذلك لان نشطاء «حماس» في الضفة يُعتقلون بصورة موقعية فقط, والسلطة الفلسطينية لا تستطيع الوصول الى مراكز السلاح المخبأ لدى «حماس». ايضا اغلاق 130 جمعية اسلامية تابعة لـ«حماس» أبعد من أن يكون ضربة قاتلة لجهاز «حماس» المدني. حيث انهم سيجدون لها بديلا, ومن هنا اذا أُعطيت «حماس» المزيد من الوقت لتنظيم صفوفها فستسيطر على الضفة. ولكن في خلفية المداولات حول المشكلات الجارية تدحرجت قضية حبة البطاطا العراقية الساخنة الى أعتاب الاردن قبل كل شيء. الآن بالتحديد يصل تعداد اللاجئين العراقيين في الاردن وسوريا الى مليوني لاجئ 800 ألف منهم في الاردن. حتى الآن كان هؤلاء مشكلة اقتصادية وبنيوية فقط, ولكن بعد عام, عندما يتحول تيار اللاجئين العراقيين الدافق الى طوفان هائل ستصبح مسألة وجودية تهدد النظام الاردني, واذا تضرر النظام الاردني فسيكون هذا قطعة الدومينو الاولى التي ستُسقط باقي القطع في الفسيفساء الشرق اوسطية كلها. الخلاصة: على اسرائيل أن تبذل كل ما في وسعها لتعزيز المصالح الاردنية في المنطقة, أي عدم القيام بأي خطوة تجاه الفلسطينيين قد تلحق الضرر بالاردن, ومساعدة الاردن في تجنيد الدعم الدولي والاميركي لحل مشكلات المياه, ومن خلال اعطائهم التكنولوجيا العسكرية قدر المستطاع. الاردن هو اليوم المنطقة الفاصلة الأهم بين اسرائيل وبين الهلال الشيعي والارهاب الاصولي من الشرق. أهمية السلام مع الاردن كذخر استراتيجي لاسرائيل ستزداد فقط بعد رحيل الاميركيين من العراق. في المداولات التي تجري في اسرائيل في قضية ما بعد العراق يمكن التمييز بين مذهبين مختلفين: الاول, وهو الأبرز حاليا, يقول إن الانسحاب الاميركي في الظروف الحالية سيئ جدا لاسرائيل, ذلك لانه سيُفسر كضعف ومن الممكن استشعار آثاره على المنطقة من ايلول €سبتمبر€ المقبل, حسب رأي أنصار هذا المذهب. ­2­ بدءا من مسار الوفاق الوطني ومرورا بالاصلاح الاقتصادي واحتمالات التوحيد السياسي وفرص منع الارهاب وتقدم الادارة المدنية, وانتهاء بالوضع الأمني. ليس هناك شك في ان هذه المساءلات والمداولات ستهز الجهاز السلطوي الاميركي وتضع الرئيس العراقي في بؤرة الجدل الشعبي. خبراء في اسرائيل يراقبون من الآن الأمواج المتسعة التي ستنجم عن عملية المساءلة في الكونغرس. حسب تقريرهم هذا الأمر قد يتمخض عن توتر قد يصل الى حد التفسخ بين الادارة الاميركية وبين الحكومة العراقية الحالية. أضف الى ذلك, يُعبر السعوديون من الآن عن امتعاضهم من امكان رحيل الاميركيين عن العراق. الملك السعودي لا يزور واشنطن, والسعوديون يُبرزون حوارهم مع الايرانيين ويستعرضونه حتى يُعبروا عن هذا الامتعاض. ومن اجل اضافة بعض الملح على الجراح قام أحمدي نجاد في خطابه حول الانسحاب الاميركي المتوقع بدعوة السعوديين الى التعاون لادارة العراق مع ايران. والاسوأ من ذلك: هذه المجريات المتوقعة في شهر ايلول €سبتمبر€ على خلفية تقرير الجنرال بيتريوس, ستترافق مع موجة عمليات كبيرة بصورة استثنائية من «القاعدة» والمتمردين السنة في العراق, وذلك من اجل ممارسة الضغوط على الادارة الاميركية حتى تنسحب. من هنا سيبدأ ايلول €سبتمبر€ في الظهور في المنطقة على صورة موعد للانسحاب الاميركي. من ناحية اللاعبين الاقليميين ­من الملك السعودي وحتى «القاعدة» في لبنان ­سيكون هذا انسحابا فعليا. وسيبدأون في التصرف وفقاً لذلك. الخبراء يقولون إن على اسرائيل أن تبدأ في الاستعداد لشرق اوسط جديد. الرحيل الاميركي عن العراق سيقود باحتمالية عالية الى حرب طائفية في العراق. احتمالات وضع أسس نظام سياسي راسخ من قبل الاميركيين قبل الانسحاب, معدومة. هذه نقطة الانطلاق في المداولات الداخلية في اسرائيل حول مرحلة ما بعد الانسحاب, والاميركيون يخرجون من العراق تاركين وراءهم نظاما مناصرا لايران في بغداد. وليس هناك ايضا اختلاف في الآراء حول هذه المسألة, النظام العراقي اليوم, وكذلك النظام المتوقع بعد الانسحاب, هو ائتلاف بين أطراف شيعية وكردية. رئيس الوزراء الحالي, هو شيعي ومن ابتداع الاحزاب والميليشيات المرتبطة بإيران. السنة في العراق لن يقبلوا هذه التسوية, والمجابهة المسلحة مسألة لا يمكن ردها. في هذه المجابهة سيقف السعوديون ودول الخليج والاردن, وربما مصر, وراء السنة. ومن الناحية الاخرى سيقف الايرانيون و«حزب الله». السوريون سيعملون مع الجميع, فهم مرتبطون بايران, ولكنهم يؤيدون المتمردين السنة الذين ينطلقون من سوريا لتنفيذ العمليات في العراق. ­3­ اعلان الادارة الاميركية عن مبيعات سلاح بقيمة 20 مليار دولار للسعوديين لم يكن مصادفة. هذه الصفقة الضخمة مخصصة بالضبط لما بعد الانسحاب, حيث يُفترض أن تعوض السعوديين عن العملية الاميركية الفاشلة وتعطيهم الشعور بالأمن والثقة بأنهم قادرون على مواجهة التهديد الشيعي ­الايراني المتربص وراء حدودهم. من هنا, وبالمناسبة, ينبع ايضا السخاء الاميركي المتمثل بزيادة الدعم العسكري لاسرائيل. انسحاب الاميركيين من العراق سيطلق في أرجاء الشرق الاوسط طاقات ارهابية كبيرة كانت متمركزة حتى الآن في العراق. آلاف النشطاء الاصوليين سيبحثون عن عمل لهم في امكنة اخرى, وبعضهم سيصل الى لبنان والآخر الى سوريا والاردن ومصر واسرائيل. الانظمة العربية المعتدلة ستبدأ في مواجهة مشكلات اللاجئين, ومشكلات الارهاب الصعبة. هذه احتمالية عالية لزعزعة الاستقرار في المنطقة برمتها. هذا الارهاب الاصولي سيربض وراء حدودنا: في غزة وجنوب لبنان والاردن وسيناء. اسرائيل ستضطر لقياس مدى الصواريخ الايرانية, ليس من منطقة المثلث الحدودي التركي السوري الايراني, وانما من تلك المواقع التي أطلق منها العراقيون صواريخهم في العام 1991 كالمنطقة إتش3 مثلا. هذا من دون أن نتحدث بعد عن تركيا. الجيش التركي يقوم من اليوم باطلاق النار على القرى الكردية العراقية. اشتعال النار في العراق ومحاولة الأكراد لتجديد استقلالهم في كردستان التركية سيدفعان بالجيش التركي الى الدخول الى شمال العراق مع دفعة جديدة من عدم الاستقرار في المنطقة. في ظل الوضع الذي تتدخل فيه ايران في القتال الجاري في العراق ­ هناك احتمالية عالية لحدوث مجابهة بين القوى المختلفة في لبنان الموجودة أصلا في وضع هش وقابل للانفجار. الحكومة لا تملك اغلبية, ولا يوجد للجمهورية رئيس متفق عليه. صحيح أن السوريين لم ينجحوا في حرف «حزب الله» ودفعه لتنفيذ خطوة عنيفة تتجسد بالسيطرة على الحكم, إلا أن الاحتمالية قائمة, وما على الايرانيين إلا أن يعطوا الضوء الاخضر فقط. ­4­ هم لم يعطوا هذا الضوء حتى الآن لأنهم مشغولون حتى رأسهم باعادة بناء القواعد الايرانية في لبنان التي ترمي كلها الى ردع اسرائيل والاميركيين عن الهجوم. الاستثمارات الايرانية الهائلة تتدفق على «حزب الله». الاعمال التي يقوم بها «حزب الله» تثير الدهشة والاعجاب. يقومون في شمال الليطاني ببناء مواقع محصنة للحزب بوتيرة جنونية. كما أن العلاقات العسكرية بين «حزب الله» وسوريا قد وصلت الى ذروة لم تصل اليها في أي وقت سابق. واذا كانت نيران المجابهة المسلحة في العراق ستتفشى لتصل الى العقدة اللبنانية, فستتطاير الشرارات نحو اسرائيل. سباق التسلح الاسرائيلي ­ السوري يمر أصلا في ذروته. تصريحات باراك حول خفض التوتر في الجبهة السورية ترمي الى تلبية الحاجات الداخلية وتهدئة الجمهور. إلا أن الانفجار في الجبهة السورية لن يكون بالضرورة في اطار سيطرتنا. من هنا ما زال من المبكر جدا خفض مستوى الجاهزية والتأهب. الجهات الاستخبارية البارزة في اسرائيل تلاحظ لدى الرئيس السوري, على أساس تصريحاته العلنية, شغفا بخيار الخطوة العنيفة ضد اسرائيل. في العام 2009 سنشهد ذروة تعاظم القوة السورية حيث ستُستكمل صفقات السلاح مع روسيا, ويتم هضم ذلك داخل الجيش السوري, وسيصل النضج السوري للحرب الى ذروته عموما. في العام 2009 ستنضج سلسلة من المجريات المختلفة: الرئيس الاميركي سيتبدل, والسياسة الاميركية في الشرق الاوسط ستتغير, وسيبدأ الانسحاب الاميركي من العراق. وفي المقابل قد تصل ايران في هذه السنة الى نضجها النووي العسكري, حتى وإن لم تكن القنبلة بيديها, فستعطي الانطباع بأنها موجودة. كل هذه المجريات لا تُبشر بالخير لاسرائيل. ­5­ المذهب الثاني في اسرائيل, خلافا للمذهب الاول, يرى نقاطا مضيئة ايضا في عملية الانسحاب الاميركي من العراق, وهو يُركز اهتمامه على القنبلة الايرانية. أولا, أنصار هذا المذهب يدّعون أن الانسحاب الاميركي من العراق لن يكون فوريا وانما على مراحل. في البداية سيخرج الجيش من المدن نحو المعسكرات الكبيرة, وينتــشر ايضا في دول صديقة مثل الاردن وتركيا, الى أن يعود الاستقرار الى العراق. زد على ذلك: قادة الجيش الاميركي الموجود في العراق يعارضون أي عملية ضد ايران بصورة حازمة طالما بقي الجيش الاميركي في العراق, وادعاؤهم الأساسي هو أن أي عملية ضد ايران ستتسبب بأعمال انتقامية ضد الاميركيين في العراق. ­6­ من هنا سيعفي الانسحاب الاميركي من العراق الادارة من عبء وجود جيشها في العراق, ويُتيح القيام بعملية عسكرية اميركية شاملة ضد المشروع النووي الايراني. وبالمناسبة, لا يصاب أنصار هذا المذهب ايضا بالذهول أو الخوف من المجابهة التي قد تندلع بين السنة والشيعة في العراق, أو بين العرب والايرانيين, بل على العكس. العام 2008 سيكون عاما حاسما, سيستعد كل اللاعبين في المنطقة خلاله لعملية الانفجار الكبري في العراق. ولهذا السبب تُطرح في اسرائيل خلال المداولات الداخلية من الآن سلسلة من الاسئلة: ما هو التوقيت الصحيح لمعالجة قضية «حماس» في غزة؟ ربما من الأفضل مواجهة «حماس» من الآن, من قبل حدوث الهزة الارضية التي ستبدأ مع الانسحاب الاميركي من العراق؟ هل هناك منطق في الجلوس وانتظار السوريين حتى يصلوا الى ذروة نضجهم العسكري؟ وربما من الأفضل تبريد المنطقة قليلا بواسطة الشروع في المفاوضات مع السوريين؟

مصادر
الكفاح العربي(لبنان)