مهرجان السينما في دمشق ليس كأي مهرجان ثقافي سوري آخر, فعدا عن كونه مناسبة لإرواء الظمأ لطقوس الفرجة السينمائية الآسرة, في ظل التصحر السينمائي السوري, هو أيضا مناسبة للقاء الفنانين والنقاد والإعلاميين العرب والأجانب, وجمهور من المهتمين على مدى عشرة أيام تضج على الهامش بالتصريحات والنمائم والدسائس وتسقط الأخبار والشائعات الخاصة والعامة, وكل ما من شأنه زهزهة ونعنشة مشهدنا الثقافي المتجهم. هذا بحد ذاته يحسب لمهرجان دمشق الذي تكرس بفضل استمراريته كتظاهرة ننتظرها بلهفة للقاء الأصدقاء وممارسة لعبة التلفون المكسر في الغمز واللمز, حيث تصل النميمة مبهرة مفلفلة إلى أذن المعني بها في أقل من دقيقة, ليردها إلى صاحبها بأفظع منها وهكذا دواليك في كواليس تطغى عليها الفوضى وارتباك التنظيم وتعديل برنامج العرض كل يوم وكل ساعة, فيبدو المهرجان مثل «خان الغجر الذي لا يوحشه من غاب ولا يؤنسه من حضر». غير أننا نأمل أن لا ينطبق هذا المثل على دورة المهرجان الحالية, على الرغم من صعوبة ذلك, مع تحوله إلى مهرجان دولي يقام كل عام سيعرض في هذه السنة كمية كبيرة من الأفلام يبلغ عددها 220 فيلماً طويلاً, وحوالى 60 فيلماً قصيراً, بمعدل 22 فيلماً طويلاً, و3 افلام قصيرة في اليوم, موزعة على تسع صالات, أربع منها فقط يمكن القول أنها جيدة, والباقي إما مخصص للدراما, أو تم تسكيجها على عجل, فإذا صلحت الشاشة لا يصلح الكرسي, وإذا صلح الاثنان, فالصالة أصغر من أن تحتمل الجمهور الكبير... الخ. وقد أدرجت العروض ضمن 18 تظاهرة مرافقة, غير مسابقتي المهرجان. المطلع على الزخم الهائل للعروض, لا يفوته الجهد الممتاز في تحويل المهرجان إلى دولي بأي طريقة, وهو جهد ضخم نحن مدينون به لمديره, لكن كمن اشتهى الدجاجة فأكلها بريشها, وكأن زيادة الكمية إلى الحد الأقصى كاف لتحصيل شرط الدولي, في بلد لن نقول انه تغيب عنه صناعة السينما, لأن المؤسسة أنتجت هذا العام ستة أفلام بعيون الشيطان, ولا قلة صالات العرض, بعدما تم استعارة ثلاث صالات من دار الأوبرا, المفترض أنها مخصصة لحفلات موسيقية ومسرحية نخبوية راقية, وليست صالات مهيأة للعروض الجماهيرية الكاسحة. كما وبعيداً عن هذين الشرطين, ثمة شرط أساسي يجب توفره ليكون الطموح إلى الدولي وتكثيف الكميات مشروعاً هو وجود سوق تجاري للأفلام, لكن هكذا مهرجان لا يمكن له أن يكون سوى مناسبة لعلاقات عامة بين الداعين والمدعوين من الأشقاء والأصدقاء. ماذا سيضيف أو أي ثغرة سيسد في خارطة المهرجانات السينمائية الدولية, أو بماذا سيتميز إذا لم يكن قادراً على جلب العروض الأولى لأفلام عالمية ؟ السؤال, إذا لم يتميز مهرجان دمشق السينمائي بسمة خاصة, ماذا يعنينا كسوريين من كل تلك الهيصة والزنبليطة!!! إلا إذا كان مدير المهرجان من صنف الأزواج العمليين الذين يرون في كثرة الأولاد الحل الأفضل لإشغال الزوجة عن مراقبة الزوج وعد أنفاسه, وأن كثرة العروض تذر الرماد في العيون وتلهي عن المطالبة المزمنة بإعادة الاعتبار لصناعة السينما في سوريا. العبرة ليست في القدرة على تحقيق شروط تحويل مهرجان دمشق السينمائي إلى دولي, فهذا ممكن وممكن جداً, لأنه وببساطة يمكن القول, ليس كل من قال قال وليس كل من ركب الخيل خيال, كما يمكن القول أن مهرجان دمشق لو قنع بمد رجليه على قد لحاف امكانياته, معترفاً بواقع سينمانا السيئ وراضياً عن توجهه, مثلما كان سابقاً, للعناية بأفلام دول العالم الثالث €آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية€ وطور هذا التوجه لأمكنه تحقيق تميز خاص به, وسمة تكاد تكون مفتقدة في منطقتنا, من خلال سده لثغرة في الثقافة السينمائية, تتسع مع تنامي سوق أفلام الـ «دي في دي», المتوافرة على البسطات وبتراب المصاري وبأهم الأفلام العالمية, في مقدمتها الأفلام الاميركية فور ظهورها وحتى قبل عرضها جماهيرياً في أوروبا وربما في أميركا أحياناً, فيما تغيب عن الفضائيات العربية أفلام أميركا اللاتينية ودول أوروبا الشرقية وغيرها من سينمات جادة كأفلام السينما المستقلة التي ينتجها أفراد وجماعات من السينما الأوروبية التجريبية... وكل إنتاج راق مما لا يجد طريقه إلى صالات العرض والفضائيات وسوق الدي في دي في بلادنا العربية. هذا التوسع الكبير والتنوع الشديد لا ننكر أهميته, لكنه غير مجد لمهرجان يحاول أن يؤسس هوية خاصة به, تنبع من هدف ثقافي لا يمكن لأي جهة تحمله سوى مؤسسة حكومية, لتشجيع الإبداع, وتوفير الفرصة للقاء المبدعين وتبادل الأفكار, طالما هو غير قادر على أن يكون سوقاً للعرض والطلب أو يواكب المهرجانات الدولية ومعاييرها التجارية وشروطها الإعلانية وحتى الدعائية. ما نقوله مجرد رأي أو اقتراح, ندلي به بدافع التقدير للجهود الكبيرة المبذولة لاستمرار المهرجان, واحترام الطموح المشروع لتحويله إلى مهرجان دولي, وإن كنا نفضل أن يكون الطموح أكثر مشروعية ولو كان أقل إبهاراً. والآن, ما العمل وواقع مهرجان €بعيون السينما نرى€ ينطبق عليه المثل الشامي €جارية وزبدية على باذنجانة مقلية€؟!

مصادر
الكفاح العربي(لبنان)