تخرج من منزلها، تعد خطواتها بصعوبة، وكأنها في طريقها إلى معركة، مأساة يومية لكل امرأة عاملة كتب عليها التعايش مع عمل تتعرض فيه للتحرش الجنسي. لقـد بقيت هذه الظاهـرة طي الكتمان، الخوف من الفضيحة كان الصندوق الحديدي الذي أسرت بداخله لسنين عديدة، حتى بدأت تدريجياً بالخروج لساحات النقاش على يد جمعيات وأصوات حقوقية-نسائية كـانت أم ذكورية- على أمل وضع حل لما تلاقيه تلك"الأم أو الفتاة"من ألم وعذاب بين جدران عملها اليومي.

التحرش الجنسي" ضمن جدران عملها، ظاهرة كان لابد من خروجها من قمقمها العقيم والعمل الجاد للحديث عنها، كانت تقال همساً والآن باتت جهراً وعلانية، ولا يمكن وضعها تحت بند من بنود تحرير المرأة وإنما ظاهرة مرضية خبيثة لابد من استئصالها من مجتمعنا وبشتى الإشكال.

تراها منتشرة في كل مكان في العالم وليست مقصورة على مجتمعنا العربي فقط، لكننا نجد التفاقم لحالتها في الدول التي لم تسعى وبجدية لوضع حل حقيقي ومنطقي لها وخاصة في مجتمعاتنا العربية التي مازالت توجه أصبع الاتهام فيها للمرأة في كل كبيرة وصغيرة.

وكان من الضروري التجرؤ على طرحها في وسائل إعلامنا وصحفنا ومجلاتنا وعدم السكوت عنها ووضع حل لها ضمن قطاعات العمل المختلفة الخاصة أو التابعة لدوائر الدولة حيث تنتشر في صفوف مكاتبها العريضة والمليئة بقصص نقشت بأذهان الكثيرين من النساء اللواتي ذاقوا مرارتها.

ففي الوقت الذي بدأت فيه دول كثيرة تعتبر" التحرش" ظاهرة يدان بها الرجل أمام القانون والمجتمع، تبقى المرأة في مجتمعاتنا المدان الأول والأخير، وقد ارتبط نشوؤها و بلوغها ذروتها بانتشار الفساد المالي والأخلاقي من جهة، وحاجة المرأة إلى مردود مالي لسد احتياجات عائلاتها أو أسرتها من جهة أخرى واختيار الصمت هو الجواب الأوحد لما تعانيه.

- الصمت أو الموت نفسياً:

"الموت أجمل شيء أتمناه هنا". أمنية تطلبها داليا كل صباح وتحديداً عندما تجلس على كرسيها الدوار لتلملم أوراقها المبعثرة على طاولة عملها، نظرات تملق وإعجاب يومية تصل في بعض الأحيان إلى لمسات غير مقصودة -كما يدعي صاحب العمل- وصولا إلى طلبات بتحسين صورة وجهها الأنثوي أمام المراجعين وتحديداً أمام أصدقاءه.

هبة زميلة داليا في مكتب آخر مجاور لها، لم تستطع أن توقف دموعها الغزيرة عندما تذكر ما تتعرض له من مضايقات يومية من رب العمل وولده في محاولة لتملك جسدها المكتمل، نظام عبودية ولدته الظروف المادية والاجتماعية القاهرة التي حولت المرأة إلى سلعة في سوق رخص به كل شــي، سوق تاه به من قل المال بيده وذهب بين طرقاته للبحث عنه ليدفع ثمن الحصول عليه أشياء يتمنى الموت قبل خسرانها بدلا من تقديم ما تتمتع به من كفاءات وتحصيل علمي أو خبرات عملية.

لكن ما السبيل للحل تقول رنا" خريجة اقتصاد" فليس أمامنا سوى البحث الدائم، فما تعرضت له في أماكن عملي السابقة قد جعلني اكره أنني أنثى..!

ففي اغلب الوظائف التي عملت بها يبدأ دوري بمحاسبة لأتحول بعدها إلى سكرتيرة ( إضافة إلى عملي كمحاسبة ) ومن ثم إلى خادمة إلى صاحب العمل وضيوفه الكرام، ورغم ذلك كان الصمت هو جوابي الوحيد لكون الخيارات أمامي مغلقة وليست محدودة.

وعندما يرى صاحب العمل صمتي وتحملي لكل ما ذكرته من مسؤوليات على عاتقي تراه يتوجه بشكل تدريجي وفي بعض الأحيان بشكل مفاجئ إلى استغلالي جسدياً، مما جعل الرحيل من كل عمل الخيار الوحيد للحفاظ على كرامتي.

غباء وسذاجة:

في حين اختارت "رشا" الغباء والسذاجة عنواناً لقصتها في إحدى الشركات الخاصة التي تعمل بها وكانت خاتمتها التعرض لصدمة نفسية قد تدوم لأعوام كثيرة ..

كانت المتميزة في مجال عملها في قسم المبيعات، وهذا التميز قد نال إعجاب مدير الشركة وصاحبها، ونقلُها لتكون معاونته، كان المكافأة لعملها، ونظراً لمجاورته في مكان العمل كان اللقاء بينهم دائم نتج عنه إعجاب متبادل من الطرفين تطور فيما بعد إلى حب ملك كيانها، لكن حبه كان مركز على جسدها الممشوق وجمالها المميز كعملها..

استغل في احد اللقاءات وجودهما منفردين في مكتبه الخاص، فحاول النيل من شرفها ماسكا بشراسة بكلتا يديها اللتان استطاعتا التماسك والتهرب منه دون إحداث ضجة تذكر خوفاً لتحولها لعاهرة على ألسنتهم التي لا ترحم.

ريم "21 " سنة قصتها أخذت منحى أكثر ألماً لنفسيتها ولكرامتها ضمن تجربة عاطفية "من وجهة نظرها" كادت تفقدها وجودها للأبد، فصاحب العمل هنا استطاع تملك قلبها مستغلاً بقائهما وحيدين في المكتب في اغلب أوقات العمل لممارسة علاقة جسدية كان الطرد نهايتها وتحديداً عندما رفضت ريم خسران عذريتها متهماً إياها بالعهر.!

مصير أحمق وضعت نفسي به، تقول ريم" فلو أنني سلمت نفسي له بسبب المال فانا أستحق ما قاله عني من كلمات نابية دمرتني.. لكنني بالفعل أحببته فهو شاب مؤدب وطموح وحنون، صفات جعلتني انجذب خلفه دون تفكير، وتطورت علاقتنا لدرجة كبيرة، وللأسف كانت نهايتها أنني أصبحت عاهرة تسعى وراء المال.

في حين هدى لم تكن اقل حظاً من زميلاتها العاملات في إحدى ورشات الخياطة من تحرش لفظي علني كان السكوت عنه لمرارة الحياة، وصعوبة تأمين لقمة العيش وتأمين رغيف خبز بسعر قدره كرامتها وصمتها الدائم عن كل ما تسمع.

- غياب القانون المساعد الأول:

" السيدة كنده الشماط" دكتورة في كلية الحقوق بدمشق وناشطة في مجال حقوق المرأة والطفل ترى أن هناك عوامل عديدة جعلت المرأة أسيرة في عملها وفريسة سهلة لأصحاب هذا العمل، الحاجة المادية والخوف من فقدان مصدر الرزق الوحيد لعائلتها و أسرتها كانوا بمثابة الكاتم الأول والأخير لصوتها من الصراخ تعبيراً لما تلاقيه من مضايقات وتحرش جنسي في كثير من الأحيان، وهذه الأخير اعتبره من أبشع صور الاعتداء على كرامتها وقدسيتها، ولا سيما وأن هذه المسائل مرفوضة من الناحية الأخلاقية والاجتماعية والقانونية في مجتمعنا. بالإضافة إلى أنها تقوم على الاستغلال والابتزاز في سبيل تلبية الانحرافات الموجودة عند البعض مقابل الحصول على العمل.

ولكون المرأة على عدم دراية كاملة بحقوقها، وماهية القوانين ( مع التأكيد على عدم فعالية تطبيقها) جعلها تقع في شباك هذا المرض الخبيث أكثر وأكثر، فالثقافة القانونية توضح الحقوق التي تتمتع بها المرأة في أماكن العمل، وكذلك توضح الشروط الصحية والسليمة الواجب توافرها في أماكن العمل، بالإضافة إلى الحقوق المادية التي تترتب عليها في حالة الطرد من العمل إذا كان السبب في هذا الطرد هو عدم الاستجابة لرغبات رب العمل.

وكان غياب وزارة العمل والشؤون الاجتماعية و مؤسسة التأمينات الاجتماعية في الإشراف الكامل على كافة أماكن العمل، ولاسيما أماكن العمل الخاصة، الدور المساهم الأول يداً بيد مع هذا المرض القاتل، فلو طبق الإشراف بشكل حقيقي كان من شأنه المساهمة في فرض رقابة حقيقية وبالتالي من معاناتها مع تأمين ظروف عمل مناسبة لها.

وقد زاد تردي من الوضع سوءاً غياب الهيئات والمراكز الخاصة التي تستطيع اللجوء إليها في حال تعرضها للتحرش الجنسي ( كمراكز فحص ضحايا العنف من النساء، لجان عمل للتحقيق في قضايا التحرش الجنسي، خط هاتف إرشادي يمكن من خلاله الإبلاغ عن حالات تحرش جنسي في أماكن العمل أو لطلب المشورة القانونية)، كل هذه المعطيات كانت كافية لتحويل المرأة لدور الصامت من كل هذه القضية وهو الحل الوحيد باعتقادي، فبعد ذكر ما سبق كان سببا مقنعاُ لابتعاد المرأة عن طريق توجيه الشكوى لما تتعرض له من حالات التحرش الجنسي، بالإضافة إلى التعقيدات القانونية وصعوبة إثبات حالة التحرش أمام القانون المختص في حال تجرأت على الشكوى لما تعرضت له، من دون نسيان الفضيحة التي تلاحقها عند طرحها لما تتعرض له أمام القانون أو المجتمع، كلها في النهاية أراها مجموعة عوامل لعبت بشكل أو بأخر الدور الأكبر في تشجيع أصحاب النفوس الضعيفة في فعل ما يريدون.

في نهاية ما ذكر، ورغم قلة التوسع في معطيات الموضوع وجوانبه نظراً لكونه مشكلة حساسة وخطيرة في زرعت في مجتمعنا، مع قلة البحث عن حالات وقعت في شباك هذا " الغول الخبيث" التي لو توسعنا أكثر في جمع قصص نساء تعرضوا لتحرش جنسي ضمن جدران عملها لجمعنا قصصاً تجف الأقلام لكثرتها ضمن صفحات كتاب أو رواية اسند للقانون فيها دور النائم الذي لا يصحو إلا في ندوة أو مؤتمر تكون نهايته الشجب والاستنكار لما يحدث، مع وضع قوانين جديدة مع وقف تنفيذها لتدخل بعدها النساء العاملات في سراديب ومتاهات تنتقل بها بين المكاتب والشركات خاصة أو التابعة للدولة قُدر عليهن أن يكون الجسد هو المقابل لاستمرارية بقائهم للحصول في النهاية على حفنة مال يكفي في كثير من الأحيان لمصروف أيام معدودة من الشهر