نشر الموقع الإلكتروني لمركز السياسة الخارجية الأمريكي، تحليلاً من إعداد الباحثة السياسية الأمريكية شانا مارشال بجامعة ميرلاند الأمريكية، حمل عنوان "التعامل مع سوريا: سوف نكون مخبولين إن لم نفعل ذلك".

يقول التحليل:

بعض زعماء وقادة العالم لا يقومون بالفعل بإنجاز المواضيع الهامة. فالرئيس التركمانستاني الأخير يعيد احتساب الشهور وأيام الأسبوع من أجل نفسه وعائلته، وقد حاول مؤخراً بناء قصر كامل من الثلج.. ومع ذلك، فإن أحداً لم يتناقش أو يتفاوض معه.

الرئيس السوري بشار الأسد يقوم بإنجاز أشياء ملموسة هامة، وفي حقيقة الأمر، فقد أظهر اعتدالاً وضبطاً للنفس، خلال الأشهر الأخيرة بما يخالف ما يمكن أن يكون متوقعاً من العديد من نظرائه الإقليميين.

• أولاً: الغارة الجوية الإسرائيلية الأخيرة داخل الأراضي السورية هي بمثابة "كرت أخضر" يسمح له بعملية الانتقام العنيف –ولكن لم يحدث شيء من هذا القبيل- وبدلاً من ذلك فقد أودعت سوريا شكوى لدى الأمم المتحدة –وهو تصرف لا يمكن أن نتوقعه من البلدان التي تنهمك طويلاً في البرامج النووية-

• ثانياً: رحبت سوريا بما يقارب المليون لاجئ عراقي، وفتحت لهم سبل الخدمات التعليمية والعناية الصحية، علماً بأن الولايات المتحدة قد رفضت مجرد الاعتراف بالعراقيين الذين قدموا المساعدات وتعاونوا مع القوات الأمريكية وقوات التحالف عند قيامها بغزو واحتلال العراق.

• ثالثاً: برغم العقوبات الاقتصادية الأمريكية، فقد أصدر صندوق النقد الدولي تقريراً في شهر آب يوضح أن سوريا تواصل القيام بعمليات الإصلاح الاقتصادي.

تستطيع الولايات المتحدة كسب الكثير من خلال التفاوض مع الرئيس السوري، مثل التعاون حول العراق، إحلال السلام بين سوريا وإسرائيل، وعلى الأقل بعض التأثير على حزب الله وحركة حماس.. وبدلاً من ذلك فإن الولايات المتحدة تواصل تطبيق سياساتها المتعلقة بالعزل غير المشروط إزاء سوريا.

جهود الكونغرس الهادفة إلى حظر رحلات الطيران عبر مطار دمشق الدولي تمثل آخر المستجدات المتعلقة بسياسة قصر النظر السياسي. فقد أشار تقرير الكونغرس إلى أن مطار دمشق يمثل إحدى "قنوات مرور القاعدة". وسوف لن يأخذ الأمر سوى لحظة قصيرة لكي نقارن موضوع الاتهام مع فشلنا –أي فشل الولايات المتحدة- في تأمين قطاع النقل والمواصلات. فإذا كان البلد الأغنى والأقوى في العالم غير قادر على تأمين طائراته فكيف يمكن أن نتوقع من بلد بحجم سوريا أن يقوم بذلك؟

إن حظر الطيران يمكن أن يؤدي إلى تراجع كبير في صناعة السياحة السورية –وهي الصناعة التي سعى الرئيس السوري إلى دعمها من أجل تحقيق الخصخصة والتحرير الاقتصادي-

وإذا كان مطار دمشق الدولي يمثل بالفعل نقطة توقف ومرور في طريق القاعدة، فإن الاستجابة لا يجب أن تكون في حظر الطيران وإنما يجب أن تتمثل في المزيد من التنسيق والتعاون مع النظام السوري من أجل الرصد والمراقبة الأفضل للركاب والمسافرين والشحن. وفوق كل شيء، فإن النظام السوري هو ذلك النظام العلماني الذي له صراعاته ومواجهاته مع الجماعات الراديكالية المتطرفة.

برغم الضرورة والحاجة الملحة إلى تحسين العلاقات مع دمشق، فإن بعض المتشددين في إدارة بوش يواصلون الإلحاح على تطبيق السياسة التي لا تدفع النظام السوري باتجاه الإصلاح السياسي، ولا تقدم الفائدة والمنفعة الإستراتيجية للولايات المتحدة. هذا والمحاولات المستمرة لوصف سوريا بأنها "دولة مارقة" بينما تتم الإشارة إلى المملكة العربية السعودية باعتبارها "حليف عربي معتدل"، وتتم أيضاً زيادة المعونة العسكرية للدولة المصرية واللتين -في نفس الوقت- تتدهور فيهما أوضاع حقوق الإنسان، هو أمر من المستحيل أن يتوازن مع أهداف وغايات الولايات المتحدة المدرجة والمعلنة.

وإضافة لذلك، فهو يؤدي إلى تقوية وتعزيز الشعور والإحساس المستشري حالياً في العالم العربي بأن سياسة الولايات المتحدة في المنطقة عاجزة عن تقديم أي شيء للديمقراطية، وكل ما تستطيع القيام به هو تدعيم وتعزيز حلفائها "المستنيرين".

الأغلبية العظمى من التفسيرات تصف الرئيس السوري بـ"المصلح" الذي يقوم بعملية الإصلاح في مواجهة التشدد والمتشددين. أما سياسة الإدارة الأمريكية المعادية لسوريا، فإنها تقوم فقط بدعم وتقوية قوى الكبت والقمع، ومساعدتهم لجهة تحريضهم لكي يقولوا أمام العالم بأن على الولايات المتحدة أن تعمل من أجل "تغيير النظام"، وأن قيام الولايات المتحدة بالتعامل مع سوريا هو سياسة خاسرة. وبلا شك فإن الولايات المتحدة سوف لن تجد في الرئيس السوري بشار الأسد حليفاً يشبه ذلك النوع من الحلفاء الذي ظلت أمريكا تجده في العائلة المالكة السعودية مثلاً.

الإدراك المتأخر أكد بأن العديد من قرارات سياسة الولايات المتحدة الأمريكية الخارجية، كان بوضوح كارثياً، وأصبح نادراً أن نرى أو نثبت خطأ السياسة الأمريكية في الوقت الصحيح المناسب. هذا، وعلى الولايات المتحدة أن تمسك بالفرصة التي أتاحها الرئيس السوري بتصرفه بالكثير من ضبط النفس إزاء إسرائيل، وذلك بأن تقوم الولايات المتحدة بالتعامل الصحيح والصادق إزاء النظام السوري، وبالاعتراف بأن ضبط النفس هو عمل وسياسة مسؤولة، فإنه أيضاً يبعث رسالة مفادها أن التفاوض وليس العدوان، هو القانون الساري في هذه الأرض. ربما تكون هذه سياسة صعبة التحمل بالنسبة لبعض الزعماء، وعلى وجه الخصوص لمن هم من أمثال الرئيس بوش، والذي حذر مؤخراً من احتمالات الحرب العالمية الثالثة مع إيران، وإذا كان البعض في أمريكا يقول إنه من الجنون التفاوض مع سوريا وإيران، فإني أقول لهم، مع "شبح" الحرب العالمية الثالثة الذي يلوح في الأفق، فإنه سوف يكون من الجنون والخبل أن لا يتم التفاوض والتعاون مع سوريا وإيران.