ثمة تصريحات تخيب الآمال وتترك انطباعات سلبية، خاصة عندما تصدر عن شخصيات رسمية وبمستويات إدارية عليا. والتصريح الذي يأتي في غير محله يؤثر سلباً ويحتاج إلى جهود كثيرة لإصلاح ما أفسده حتى ولو كان عابراً. وفي بعض الأحايين يطلق بعض المسؤولين تصريحات تفتقدإلى المصداقية، ولا تعبر عن أهداف الحكومة وخططها، ولا تؤدي إلى خدمة العملية التنموية، ولا تسهم في دفع عجلة الإصلاح وتسريعها، بل إن مفاعيلها السلبية تنعكس على الاقتصاد الوطني وتنال من صدقية كلام المسؤول. عقد مؤتمر صحفي في هيئة تخطيط الدولة في الثلاثين من الشهر الماضي للحديث عن مؤتمر التمويل الصغير. واللافت أن الدكتور تيسير الرداوي، رئيس هيئة تخطيط الدولة، قال في المؤتمر لا يوجد فقراء في سورية، ولا يوجد طبقة وصلت إلى الحد الأدنى. وشكك د. الرداوي بالإحصاءات السابقة التي أجريت في الهيئة، وأكدت أن 30% من المواطنين فقراء وأن 21% يعيشون تحت خط الفقر. لو كان ما قاله د. الرداوي مجرد رأي صادر عن باحث اقتصادي أو أستاذ جامعي، لكان من السهل جداً مناقشته أو حتى تصديقه، ما دام يعبر عن وجهة نظر شخصية أو أكاديمية.. أما أن يجانب التصريح الحقيقة المتفق عليها والتي أثارت لحظة إعلانها حكومياً الكثير من النقاش والجدل، وقيلت فيها آراء، وعبرت عنها وجهات نظر، وانتقدها كثيرون، فإن ذلك يثير تساؤلات جوهرية حول الهدف من إطلاق هذا التصريح، وهل هناك رغبة في تلميع الواقع الذي تعاطت معه الإحصاءات بشفافية؟ إن التنكر للواقع وللحقيقة شيء لا يمكن تصنيفه في باب الدفاع عن الإجراءات الحكومية المتخذة، ولا يمكن تصديقه مادام الواقع أصدق من الأقوال والأفعال، وهنا تتكشف النوايا في البحث عن إنجاز يبيض الوجه. إلا أن النوايا وحدها لا تكفي مادامت الإرادات غائبة والإجراءات المطلوبة تنتظر على لائحة التنفيذ المتوقف. واللافت أن د. الرداوي الذي يشغل منصباً اقتصادياً حساساً له علاقة مباشرة مع كل المؤسسات، صرّح عقب تعيينه في المنصب الذي يشغله لو كنت مستثمراً لما استثمرت في سورية، في الوقت الذي تبحث فيه هيئة الاستثمار عن مستثمرين وتبذل جهوداً في تسويق الاستثمار وتشجيع المستثمرين وجذبهم واستقطابهم. وبالتأكيد إن المستثمرين الذين قرؤوا التصريح الآنف الذكر لن تغريهم فرص الاستثمار ومحفزاته، وسيشيحون باستثماراتهم عن سورية، وإذا كان ذلك التصريح قد طوي ملفه في وقته، فإن إطلاق تصريحات جديدة عن الفقر ترفض ما اعترفت به الحكومة سابقاً، وأُنجزت بعض الخطط لمعالجته، لا تفسير له بزلة لسان أو غيرها! من الظلم للاقتصاد الوطني رسم خطط له تفترض أنه لا يوجد فيه فقر وفقراء، ومن الظلم أكثر مقارنة سورية ببلد مثل السنغال بسبب اختلاف الظروف بينهما. نوقشت إحصاءات الحكومة وتقديراتها للفقر والفقراء، وخاصة خط الفقر الذي حددته الحكومة آنذاك، ما أكد أن عدد الفقراء أكثر من الرقم الذي أعلنته الحكومة. أما أن يأتي رئيس هيئة تخطيط الدولة وينكر وجود الفقر، فهذا أمر يثير الاستغراب والتساؤل. وحبذا لو أخبرنا السيد رئيس هيئة تخطيط الدولة بماذا يسمي وجود كل هذا الفقر في البلد الذي يُرى بالعين المجردة؟