زائر دمشق هذه الأيام، يكتشف سريعاً أن عاصمة الأمويين تعيش في آن حالة مزدوجة مزعجة من القلق والارتياح؛ الثقة والارتياب؛ التفاؤل و”التشاؤل”.

هي مرتاحة وواثقة ومتفائلة، لأن مواقف الرئيس بشار الأسد منذ غزو العراق العام 2003 أكسبته شعبية واسعة في أوساط الشعب السوري، عززها تحسّن أداء الإقتصاد وتدفق الاستثمارات الخليجية بكثافة على بلاد الشام، وتصلّب المواقف الروسية من السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط.

وهي قلقة ومرتابة و”متشائلة” لأنها تخشى جنونين اثنين: الاول، “جنون” الرئيس الامريكي بوش (على حد تعبير مسؤول فلسطيني كبير مقرّب من دمشق) الذي قد يدفعه إلى توسيع رقعة الحرب العراقية كوسيلة لمحاولة الخروج من المأزق هناك. و”جنون” إيهود أولمرت الذي لم يستفق بعد من صدمة حرب الأسيرين في لبنان العام 2006 والذي ربما يحاول، لاعتبارات سايكولوجية واستراتيجية معاً، الانتقام من “حزب الله” بضرب حليفته سوريا.

هذا الأسبوع كانت دمشق على موعد مع تطورات موضوعية عززت كلا هذين الاعتبارين الذاتيين المتناقضين.

فقد تلقت قبل أيام اقتراحاً عاجلاً من موسكو يقضي بعقد جولة ثانية من مؤتمر السلام الشرق أوسطي الذي دعا إليه الرئيس الأمريكي بوش في روسيا، بصفتها الراعي الثاني لمؤتمر مدريد الأول للسلام. وهذه الخطوة ستسمح لدمشق بطرح قضية الجولان المحتل في المؤتمر.

هذا التطور، الذي كان على ما يبدو وراء قرار دمشق بتأجيل عقد مؤتمر الفصائل الفلسطينية المعارضة لمؤتمر بوش الذي كان مقرراً هذا الأسبوع، تلته مباشرة المحادثات المفاجئة في اسطنبول بين وزيري الخارجية السوري المعلم والامريكية رايس. وبرغم أن الطرفين أوحيا بأنهما لم يصلا إلى أي اتفاق حيال العراق ولبنان، إلا أن مجرد عقد الاجتماع، كان مؤشراً واضحاً على أن إيجابيات عديدة لا تزال تكتنف السلبيات التي برزت في العلاقات السورية الامريكية منذ 2003 (حرب العراق) و2005 ( إجبار سوريا على الانسحاب من لبنان).

لكن، وجنباً إلى جنب مع هذه الإيجابيات، كانت نذر عواصف عاتية تظهر في سماء العاصمة السورية خلال الأسبوعين الماضيين فتثير الكثير من الهواجس.

فقد أوردت مصادر سورية وفلسطينية واسعة الاطلاع معلومات وصفتها بأنها خطيرة، تشير إلى أن سوريا وضعت نفسها قبل أيام في حال استنفار شاملة، بعد أن تلقت تقارير بأن “إسرائيل” تنوي شن غارات جوية كثيفة على عشرات مواقع الصواريخ والرادارات السورية، خاصة منها أجهزة الدفاع الصاروخي الجوي التي أقامها الروس مؤخراً، والتي تستطيع، كما قيل، إسقاط الطائرات الحربية “الإسرائيلية” فوق تل أبيب.

عملية الاستنفار هذه، والتي أكدتها أيضاً مصادر في الجبهة القومية التقدمية التي تضم الأحزاب المتحالفة مع حزب البعث في السلطة، أنها تلقت تبليغاً رسمياً بها، انحسرت بعد 48 ساعة من بدئها لأسباب لا تزال مجهولة. لكنها على أي حال كانت مؤشراً على أن المفاوضات السرية بين دمشق وواشنطن، في حال وجودها، تجري فيما الطرفان الأمريكي و”الإسرائيلي” يشحذان السكاكين ربما لفرض الصفقات وفق شروطهما الخاصة بالقوة.

وهذه النقطة الأخيرة (أي شحذ السكاكين) لم تعد في حاجة إلى توكيد، بعد أو أوضحت الغارة الجوية “الإسرائيلية” المفاجئة على شمال سوريا قبل نحو الشهر، المدى الذي يمكن أن تصل إليه تل أبيب، في خضم جهودها لاستعادة هيبة الردع الاستراتيجي التي فقدتها في لبنان.

التفاوض، إذاً، بين دمشق وواشنطن يجري على إيقاع المارشات العسكرية وقعقعة السلاح الامريكي و”الإسرائيلي”، وأيضاً على وقع التحرك الروسي لدعم قدرات سوريا الدفاعية والعسكرية. وهو تحرك يقال في العاصمة السورية إنه الأكثف منذ حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973.

لكن، لمن ستكون اليد العليا: للصفقات أم المجابهات؟

دمشق لا تجيب، ليس لأنها تخفي شيئاً بل لأنها لا تعرف. والسبب؟ إنه مرة أخرى “جنون” بوش الذي يولد الآن كل المشاعر والتحليلات المقلقة في عاصمة الامويين، والتي يرجح أن تستمر طالما استمر بوش في البيت الأبيض.