بينما تتوجّه الأنظار إلى طبيعة المواجهة بين القوّات التركية من جهة وحزب العمّال الكردستاني وأكراد العراق من جهة أخرى، طرأ تحوّل مهمّ في السياسة الإقليمية محورها تركيا وسوريا وإيران. فبعد عقود من السلبية، تبرز هذه الدول لاعبين كباراً في الساحة الاستراتيجية للشرق الأوسط. فخلال السنوات القليلة الماضية، عزّزت تركيا علاقاتها مع كلّ من دمشق وطهران، بعدما مرّت في حالة توتّر في الثمانينيات والتسعينيات. ويمثّل هذا النشاط ابتعاداً واسعاً عن سياسة تركيا الخارجية السابقة التي أرساها أتاتورك، والتي قضت بأن تنأى تركيا بنفسها عن الانخراط في قضايا المنطقة. ولا يعني توجّه أنقرة نحو الشرق الأوسط ابتعادها عن الغرب، كما لا يعكس هيمنة «الأسلمة الزاحفة» على السياسة الخارجية، مثلما يدّعي بعض النقّاد. بل هو في الحقيقة استجابة لتغيّرات هيكلية في بيئتها الأمنية بعد انتهاء الحرب الباردة، ويمكن عبر الإدارة الصحيحة، أن تكوّن فرصة سانحة للغرب كي يستفيد من موقع تركيا مدخلًا لحوار الحضارات الذي كان قد نعاه الباحث الاستراتيجي الأميركي هنتنغتون.

رؤى استراتيجية

إنّ صورة جديدة في الشرق الاوسط تتكوّن. ومن أبرز ملامحها التحالف القوي بين تركيا وسوريا. والتحالف الكبير بين ايران وروسيا بعد زيارة الرئيس فلاديمير بوتين إلى طهران في منتصف تشرين الأوّل الماضي. إذا كانت مسألة حزب العمّال الكردستاني هي شرارة التوتّر الحالي بين تركيا وكل من العراق والولايات المتحدة الاميركية، فإنّ في جوهر كل هذه الحركة الشرق أوسطية قوى مثل سوريا وتركيا وايران ومن خلفها روسيا، ولا ننسى قوى المقاومة في العراق ولبنان، تسجّل رسالة اعتراض قوية على السياسات الخاطئة والعدوانية للولايات المتحدة التي تضرب عرض الحائط، وفي ما يشبه الإهانة، بمصالح وحساسيّات شعوب المنطقة ودولها، من أجل توفير المزيد من الأمن للكيان العبري عبر تقسيم إضافي للكيانات القائمة، تدرك تركيا أنها أحد المستهدفين الرئيسيين منه. ويُفهَم من وراء كلّ ذلك أنّ في الأفق خلافات عميقة بين واشنطن وأنقرة، حول مسائل عديدة، منها: العراق وهويّته، وتقرير الكونغرس الاميركي تقسيمه إلى أقاليم، وسوريا وايران ودورهما في المنطقة، والارهاب وأولويّة الحرب عليه، وحزب العمّال الكردستاني ومستقبله، والمسألة الأرمنية... وفيما يُتوقَّع أن تتوضّح في الأسابيع المقبلة نتيجة «المباراة» الدائرة بين «الحليفين»، يُلاحظ نتيجتين: أولاهما أنّ السياسة تعكس دائماً قانون الوحدة والصراع الذي صكّه الفيلسوف الألماني هيغل، بمعنى أنّ التحالف بين شريكين لا يمنع وجود صراعات بينهما لتحقيق أقصى المصالح تحت سقف هذا التحالف. أمّا النتيجة الثانية، فمفادها أنّ الأكراد عادوا من جديد ليكونوا ورقة تُستخدَم من أحد الأطراف أداة للمناورة السياسية في المنطقة، وهو التقليد التاريخي الذي ظلّ الأكراد يدفعون بموجبه ثمناً غالياً على الدوام، وقد بدا هذا جلياً في أن الإدارة الاميركية أبقت على الوجود العسكري لحزب العمّال الكردستاني في العراق ورقة تستخدمها عند الضرورة للضغط على تركيا. كذلك لن تفرّط واشنطن في ورقة الحزب التي تستخدمها فعلاً ضدّ إيران عبر منظّمة تابعة للحزب اسمها «بيجاك» وتشنّ عمليات داخل الأراضي الإيرانية. انطلاقاً من هذه الرؤى، يجب قراءة وقائع زيارة الرئيس السوري بشّار الأسد إلى تركيا بين 16 و19 تشرين الأول الماضي، التي اكتسبت أهمية استثنائية من حيث توقيتها والموضوعات التي تمّ بحثها والتي أشارت الى تطابق مواقف البلدين تجاه الملفات الساخنة وخصوصاً في العراق، وعملية التسوية والعمل المشترك لتوفير متطلبات الأمن والاستقرار في المنطقة. وتكتسب الزيارة اهمية أيضاً من أنها تأتي عشية مؤتمر اسطنبول لدول الجوار العراقي، بالإضافة إلى الخطر المشترك المحدق بسوريا وتركيا، بعد قرار الكونغرس الاميركي تقسيم العراق. وهي (الزيارة) كانت رسالة تركية الى واشنطن مفادها أنّ تركيا تقف إلى جانب مصالحها التي تلتقي في هذه القضايا مع مصالح سوريا، ورسالة إقليمية قوية جداً تؤكّد أنّ لسوريا وتركيا دوراً أساسياً في تقرير مستقبل العراق ولا يمكن عزلهما تحت أي ذريعة، وهو ما أكّد عليه الرئيس الأسد الذي دعا إلى تأسيس جديد للعلاقات الاستراتيجية، على المستوى الإقليمي، مشيرا إلى سوريا وتركيا والعراق وايران، والمنافذ البحرية التي تملكها هذه الدول على البحر المتوسط وبحر قزوين والبحر الاسود والخليج العربي.

المسألة الكرديّة وتداعياتها

في ضوء هذه التحوّلات الإقليميّة، كشف التوتر التركي ـــــ الكردي عن أزمة هي أكبر بكثير ممّا يُعتقَد أنّه محاولة من الجيش التركي للحدّ من عمليات حزب العمّال الكردستاني. ولعلّ نظرة إلى أهداف هذه الأزمة الجديدة ـــــ القديمة ستكشف كم هي مترابطة مع معضلات المنطقة المزمنة، سواء بجذورها التاريخية، أو بنزاعات الهوية وأبعادها الجيوسياسية أو بالمصالح الدولية، وهو ما يمنحها صفة أزمة شرق أوسطية بامتياز. إنّ «الكيان» الكردي في العراق أحدث تغييراً جيو ـــــ سياسي هائلاً أصبح يطرق الأبواب الإقليمية بقوّة ويحتّم عليها مواجهة نتائجه المستقبلية قبل أن يتحوّل إلى واقع عسير الهضم على دول المنطقة. وقد بدا هنا الحرص السوري والتركي على منع تقسيم العراق «وأنّ مثل هذا التقسيم عبارة عن قنبلة ستفجر الشرق الأوسط» حسبما قال الرئيس الأسد، غير أنّه رأى أن مشكلة المسلّحين الأكراد «لا تُحلّ عبر الوسائل العسكرية والأمنية فقط» داعياً إلى إعطاء الحكومة العراقية برئاسة المالكي «فرصة». ولأن العراق بقي منذ عام 1991 دولة ناقصة السيادة، فقد امتّدت المشكلة الكردية من تركيا الى شمال العراق، ولعلّ هذه المشكلة تكشف إلى أي حدّ باتت الدول الإقليمية محتاجة إلى استعادة العراق الموحّد والقوي الذي يسيطر على إقليمه، ولا يتركه نقطة انطلاق للإضرار بالآخرين. ولعلّ الأزمة الراهنة تُقنع أكراد العراق بأنّ خيار العراق الموحَّد الذي يُبنى على أساس المساواة بين كل مكوّنات الشعب العراقي هو الخيار الأمثل الذي يقيهم مغبة الأزمات، وأنّ تأييدهم للاحتلال الأميركي للعراق لن يحميهم من أضرار تصعيد التدخّل العسكري التركي. وهذا البروز في المسألة الكردية لا يقدم للأكراد عناصر ايجابية، بل يقدم لهم عناصر سلبية كثيرة، ذلك أن سعيهم لنيل حقوقهم الثقافية، وهي حقوق عادلة، ارتبط بنهج كردي في العمل السياسي، يربط نفسه بمشاريع الولايات المتحدة الاميركية و«إسرائيل»، ويثير ضدهم مواقف معادية. وكان الجنرال تومي فرانكس الذي قاد الحرب على العراق، قد أقسم أن يدفّع قادة تركيا الصاع صاعين حين رفضوا إنزال الفرقة الرابعة الاميركية في أراضيهم قبل الحرب بأيام قليلة في 2003، وهو قسَم قد يفسر رفض القوات الاميركية طرد مقاتلي حزب العمّال الكردستاني من شمال العراق.

حرب عالمية ثالثة

هناك بُعد آخر في المسألة لا يمكن تجاهله، وهو البعد المتعلّق بإيران. فقد توالت في الأيام الماضية، سلسلة من التصريحات الأميركية الخطيرة لا يمكن الاستخفاف بها، بل ويمكن اعتبارها مقدّمة لعمل عسكري أميركي ضد ايران طال الحديث عنه. لقد جاء التصريح الأول من الرئيس الاميركي جورج بوش الذي هدّد بحرب عالمية ثالثة رداً على زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الاولى إلى ايران. وجاء التصريح الثاني من نائب الرئيس الاميركي ديك تشيني، الذي ألقى خطاباً في مؤتمر لـ«معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى»، جدّد فيه الاعلان عن سياسة المحافظين الجدد، مستشهداً كالعادة بأقوال المستشرق برنارد لويس، وبأقوال الكتاب العرب الموالين من نوع فؤاد عجمي، ومنتهياً إلى النتيجة التي ترى ايران «عقبة متنامية في طريق السلام في الشرق الاوسط». وجاء التصريح الثالث من وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس، التي قالت إن إيران «تمثل خطراً ربما هو الأكبر على الولايات المتحدة الاميركية». إنّ هذه التصريحات ليست عادية، وهي تنذر باقتراب لحظة الخطر الكبير. وقاد جاءت العملية العسكرية الكردية ضد الجيش التركي في هذه اللحظة بالذات، بحيث يستحيل عدم الربط بينهما، إذ يمثّل هذا الربط إشارة إلى أن المسألة ليست مسألة كمين عسكري، ولا غضب تركي، بل تدخل في سياق أكبر من ذلك بكثير، في سياق التوتر الذي يمهد لحالة أعلى من الحرب. وهنا ايضاً لا نستطيع أن نتجاهل إشارة أخرى واردة هذه المرة من «إسرائيل»، ففي اللحظة التي انتهت فيها زيارة بوتين إلى ايران، توجه رئيس الوزراء إيهود اولمرت فجأة إلى موسكو للالتقاء مع بوتين، والبحث معه في الموضوع الايراني بالتحديد. ومن موسكو انتقل اولمرت إلى كل من باريس ولندن للبحث في المسألة نفسها، والسؤال هو: لماذا يقوم اولمرت بكل هذه الزيارات المفاجئة، وغير المقررة، إذا لم يكن هناك أمر كبير جاهز للانفجار؟

خطط لإغراق القوات الأميركيّة

لا شك في أنّ موقع تركيا الجغرافي باعتبارها بوابة اوروبا على العالمين الاسلامي والعربي، وعلاقتها الحيوية مع اميركا وعضويتها في الحلف الاطلسي وتطلعاتها للانضمام إلى الاتحاد الاوروبي، كل ذلك يمثّل المأزق الرابع لهذه الازمة. إذ من المؤكّد أن يؤدّي تفاقمها إلى تجاوز الابعاد الامنية والعسكرية الى وضع مجمل العلاقات التركية مع الغرب موضع اختبار بعد عقود طويلة سعت فيها تركيا الى ترتيب اوضاعها لتحقيق الاندماج الكلي مع الغرب. فالمتوقع أن يؤدي أي تورط عسكري تركي واسع وطويل الأمد يفرضه التحدي الكردي الى إعادة حسابات جوهرية بشأن خيار تركيا الاستراتيجي، أي وقوعها بين خيار استمرار تطلعها الى الاندماج مع الغرب او الانكفاء على نفسها وعلى المنطقة. وسيكون اضطرار تركيا الى ولوج الخيار الثاني بمثابة كارثة حقيقية، على الغرب بل وعلى عموم المنطقة، التي ما زالت تأمل أن تؤدي تركيا، بسبب ثقلها الاقليمي والدولي، دوراً مؤثراً في حفظ التوازنات السياسية والمذهبية في المنطقة، من ناحية، وأن تكون جسراً للتواصل الحضاري الشرقي ـــــ الغربي الذي سيسبب انهياره المزيد من التعقيدات في العلاقات الشائكة أصلًا بين الطرفين. وفي هذا السياق مثّل الدخول السوري القوي على الأزمة التركية ـــــ الكردية، عنصر «إغاثة» للجانب التركي، وعنصر إرباك للمشروع الاميركي، لا سيما أن عناصر من حزب العمال تدربوا في معسكرات أميركية، وهو ما دفع السوريين الى التساؤل عن اسباب عدم بذل واشنطن الجهود اللازمة للحد من خطر حزب العمال الذي تقف الحكومة العراقية أمامه عاجزة عن التحرك. لكن ذلك لم يمنع واشنطن من المبادرة إلى التحرك السريع لاستيعاب هذه الأزمة قبل أن تصل الى نقطة اللاعودة، وذلك لإدراك الادارة الاميركية أن دخول الرئيس الاسد على هذا الخط هو دخول لإيران على الخط ذاته، وكل هذا من أجل تحويل شمال العراق الى فييتنام أخرى لكن صغيرة. وما دفع هذه الادارة الاميركية إلى التحرك بهذه السرعة وإعطاء تنازلات ميدانية للقوات التركية، وإن على اعماق حدودية متفاوتة ومحدودة، هو قناعتهم بأن كثيرين، من بينهم الرئيس بوتين، وبالطبع الرئيس نجاد وحليفه الاسد، لن يفوّتوا هذه الفرصة، وأنهم جميعهم سيعملون على أن تغرق القوات الاميركية في مستنقع جديد.