للمرة الثانية يتحدث الرئيس بشار الأسد عن "خطورة" الحداث السياسية القادمة، وإذا كانت المرة الأولى خلال خطاب القسم، فإنه اليوم يطرحها ضمن إطار آخر شهد حركة ديبلوماسية نشطة، ورغم أن المراقبين يتحدثون بشكل مستمر عن الوصول إلى "ذروة الأزمة"، لكن التحذير اليوم يصدر عن رئيس دولة بالدرجة الأولى، فهل مؤتمر أنابوليس سيكون الحد الفاصل؟!!

حتى اللحظة يبدو أن هذا المؤتمر الذي يصفه البعض بـ"العلاقات العامة" لا يملك أي صفة محددة، فهو يقوم على أساس جمع التناقضات دون أن يعترف أي طرف بحدود هذا التناقض، لكن هذه السمة السياسية متوفرة في كل الأحداث التي تجري في المنطقة، فهي تجري على سطح من "الأحداث" وتبقى عائمة دون أن يؤدي أي قرار سياسي لتبدل في مسار الأزمات، فالإدارة الأمريكية التي أرادت إعادة توزيع الأدوار في الشرق الأوسط منذ احتلالها العراق كسرت المساحات داخل هذه الأدوار، وأعطت مجالا للأبعاد الداخلية كي تنفذ إلى مسار الحدث بعيدا عن سياسات الدول، وهذا الأمر تكرر بعد العراق في لبنان والأراضي الفلسطينية المحتلة، ويبرز اليوم في تركية بعد عمليات "حزب العمال الكردستاني".

عمليا فإن الحرب كخيار استباقي بالنسبة للاستراتيجية الأمريكية تحول إلى مواجهة مستمرة على الصعيد السياسي، وهي مواجهة مزدوجة مع دول المنطقة ومع العناصر الداخلية التي أتاحت لها الاستراتيجية الأمريكية أخذ أدوار خارج نطاق الدولة، فالإدارة الأمريكية:

- تقرع طبول الحرب مع إيران في وقت يعمل جناح داخلها على دفع التعاون مع طهران بشأن العراق.

- وهي اليوم مع رئيس توافقي في لبنان ومع المبادرة الفرنسية لكنها أيضا تتعامل بشكل منفصل مع القوى والتيارات داخل هذا البلد.

- وأخيرا فإن الولايات المتحدة تريد دعوة سورية لمؤتمر أنابوليس حسب بعض التصريحات لكنها غير قادرة على رسم استراتيجية تصبح فيها سورية شريكا في أي سلام قادم.

هذه المعطيات لا توحي على تخبط السياسة الأمريكية، ولكنها في نفس الوقت مؤشرا على أن "التحولات" ليست ضمن السيطرة بالنسبة لإدارة الرئيس الأمريكي، فإذا كان التحرك الذي يقوده فريق بوش يسعى إلى تحقيق إنجاز سياسي للجمهوريين قبل الانتخابات، فإنه بالنسبة للمنطقة يجعل من المواجهة عاملا أساسيا في تطور قادم، وهو أمر لا يمكن لأي إدارة أمريكية قادمة أن تنسحب منه بسهولة.

أما بالنسبة لخارطة الشرق الأوسط فإنها أعادت تركيبها على شاكلة الدومينو، فعندما ينفجر الوضع في غزة لا تتأثر عملية التسوية "العاجزة" أصلا عن التحرك، بل تنفجر العلاقات العربية – العربية، وتتجه الأنظار إلى طهران والرياض ودمشق والقاهرة لمتابعة تطور الحدث، وهذا الأمر إذا كان طبيعيا في ظل التنسيق العربي فإنه اليوم يعبر عن ضغوط تمارس على كل العواصم العربية لاستيعاب الأزمات بدلا من حلها.

سقف التوقعات يدفعنا لقراءة مسألة "المحاور" التي تتحدث عنها الولايات المتحدة ما بين "معتدلين" أو "محور الشر"، لأن ما حدث هو إيجاد بدائل ضغط داخلي على دول الشرق الأوسط يستحيل معه بناء سياسة لدولة بعيدا عن التأثير الذي نشأ نتيجة التعامل مع العناصر المكونة لكل بلد على سياق العراق أو لبنان أو حتى فلسطين.